المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٧ - ٨- المقدمات المفوتة
الوقت، فإذا كان الواجب استقباليا فلا مانع من وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها.
و المحاولة الثّالثة: ما نسب إلى بعضهم: من أن الوقت شرط للوجوب لا للواجب كما في المحاولتين الأوليين، و لكنه مأخوذ فيه على نحو الشرط المتأخر. و عليه:
فالوجوب يكون سابقا على الواجب نظير القول بالمعلق، فيصح فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها لفعلية الوجوب قبل زمانه فتجب مقدمته.
و كل هذه المحاولات مذكورة في كتب الأصول المطولة، و فيها مناقشات و أبحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر، و مع الغض عن المناقشة في إمكانها في أنفسها لا دليل عليها إلا ثبوت وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، إذ كل صاحب محاولة منها يعتقد أن التخلص من إشكال وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، ينحصر في المحاولة التي يتصورها، فالدليل الذي يدل على وجوب المقدمة المفوتة قبل وقت الواجب لا محالة يدل عنده على محاولته.
و الذي أعتقده: إنه لا موجب لكل هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، فإن الصحيح- كما أفاده شيخنا الأصفهاني (رحمه الله)- إن وجوب المقدمة ليس معلولا لوجوب ذيها و لا مترشحا منه، فليس هناك إشكال في وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها حتى نلتجئ إلى إحدى هذه المحاولات لفك الإشكال، و كل هذه الشبهة إنما جاءت من هذا الفرض و هو فرض معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها، و هو فرض لا واقع له أبدا، و إن كان هذا القول يبدو غريبا على الأذهان المشبعة بفرض أن وجوب ذي المقدمة علة لوجوب المقدمة، بل نقول أكثر من ذلك: إنه يجب في المقدمة المفوتة أن يتقدم وجوبها على وجوب ذيها، إذا كنا نقول بأن مقدمة الواجب واجبة، و إن كان الحق- و سيأتي- عدم وجوبها مطلقا (١).
و لبيان عدم معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها: نذكر أن الأمر- في الحقيقة- هو فعل الآمر، سواء كان الأمر نفسيا أم غيريا، فالآمر هو العلة الفاعلية له دون سواه، و لكن كل أمر إنما يصدر عن إرادة الآمر لأنه فعله الاختياري، و الإرادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به، أي: أن الآمر لا بد أن يشتاق أولا إلى فعل الغير
(١) أي: سواء كانت مفوتة أو غير مفوتة.