المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦٣ - ٣- (الفساد)
بالأمر الواقعي بمعنى: أتيت بالأمر الظاهر (الصلاة مع التيمم): فالسقوط يكون حكما مجعولا من قبل الشارع إذا قلنا بالإجزاء، و كذلك إذا قلنا بعدم الإجزاء يكون عدم السقوط حكما مجعولا.
ثم استدرك صاحب الكفاية قائلا: «نعم الصحة و الفساد في الموارد الخاصة لا يكاد يكونان مجعولين- أي: بأن المولى لا يجعل السقوط في هذه الموارد الجزئية بأن يجعل السقوط لمن صلى بالتيمم، و يجعل السقوط لمن صلى بالوضوء و هكذا ... أو يجعل هنا إعادة و هناك قضاء و هكذا ...- بل إنما الموارد الخاصة تتصف بالصحة و الفساد بمجرد انطباق المأمور به عليها».
و بالجملة: المراد بالصحة و الفساد في هذه الموارد الجزئية هو انطباق المأمور به الكلي و عدمه عليها.
و أما الصحة في المعاملات بمعنى: ترتب الأثر من النقل و الانتقال و الملكية، و لكن ليس ترتب الأثر هذا بحكم العقل، و لا انتزاعي اعتباري، و إنما هو بجعل الشارع، و ترتيبه عليها و لو بنحو الإمضاء لا التأسيس، يعني: الشارع أمضى ما عليه العقلاء هذا في الموارد الكلية ثم عقب صاحب الكفاية قائلا:
نعم صحة كل معاملة شخصية و فسادها ليس إلا لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سببا و عدمه يعني:
«حال صحة كل فرد من أفراد كلي المعاملة حال صحة كل فرد من أفراد العبادات في عدم كونها حكما مستقلا مجعولا، بل هي لأجل انطباق الكلي على أفراده، فالمجعول بالاستقلال هو صحة كلي المعاملة كالعبادة، و صحة الأفراد الخارجية إنما هي لأجل انطباق الكلي العبادي أو المعاملي عليها يعني:
مطابقة مع جعله الشارع سببا، فإن الشارع الذي جعل البيع سببا للنقل و الانتقال هو العقد من البالغ و العاقل و غيرها من شروط صحة البيع. فإذا: المعاملة مطابقة لما جعله الشارع سببا للنقل و الانتقال هذا التطابق نسميه صحة. كما هو الحال في التكليفية في الأحكام، فكما أن انطباق الكلي على الفرد يوجب اتصاف الأفعال الخارجية التي يأتي بها المكلف بالأحكام التكليفية من الوجوب و الحرمة، فإن اتصافها بهما إنما هو لأجل انطباق الكلي الواجب أو الحرام على الأفعال، فاتصاف الصلاة الخارجية التي يأتي بها العبد بالوجوب إنما هو لأجل انطباق كلي الصلاة الواجبة عليها، و كذا شرب الخمر الخارجي، فإن اتصافه بالحرمة إنما هو لأجل انطباق الحرام الكلي عليه [١].
الأمر السابع: تأسيس الأصل: الغرض من عقد هذا الأمر: أنه لو فرض عدم دلالة النهي على الفساد أو الشك في دلالة النهي على الفساد، لعدم نهوض دليل على هذه المسألة أو لعدم تمامية هذه المسألة، فهل يكون هناك أصل يثبت الدلالة عليه أو عدمها أم لا؟
صاحب الكفاية في كفايته قال: إنه لا أصل في البين يثبت الدلالة أو عدمها، لأن النهي حين حدوثه إما كان دالا على الفساد و إما لم يكن دالا عليه، و حيث لم يعلم شيء منهما، فليس له حالة سابقة معلومة لتستصحب، و لا مجال لأصالة عدم وضع اللفظ لما يوجب الفساد، لمعارضتها لأصالة عدم وضعه لما لا يستلزمه. و بعد أن أنكر جريان الأصل في المسألة الأصولية ادعى جريانه في المسألة الفقهية، ففي المعاملات يجري أصالة الفساد- أي: عدم ترتب المسبب أعني: الأثر سابق لها، و لذا لا
[١] المصدر: مزج ما بين متن الكفاية و منتهى الدراية في توضيح الكفاية (بتصرف).