المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦١ - ٢- (النهي)
و الذي ينبغي أن يقال له: إن الاختيار شيء و عموم النزاع في المسألة شيء آخر، فإن اختياركم بأن النهي التنزيهي و الغيري لا يقتضيان الفساد ليس معناه اتفاق الكل على ذلك حتى يكون النزاع في المسألة مختصا بما عداهما، و المفروض: أن هناك من يقول بأن النهي التنزيهي و الغيري يقتضيان الفساد.
عموم مطلق، إذ يقال: أن كل ما يسقط الإعادة و القضاء موافق للأمر، و لا عكس، لأن الصلاة مع الطهارة المستصحبة موافقة للأمر. و لا تسقط الإعادة و القضاء مع انكشاف الخلاف، و لما كان تحقيق ذلك منوطا بمعرفة أقسام الأمر قدم ذلك على بيان حال النسبة المزبورة، فقال: الأمر على ثلاثة أقسام:
الأوّل: الأمر الواقعي الأوّلي كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ.
الثّاني: الأمر الواقعي الثانوي الاضطراري، كالأمر بالصلاة متكتفا تقية.
الثّالث: أن كون النسبة بين التعريفين عموما مطلقا منوط بأمرين:
أحدهما: أن يكون المراد بالأمر في تعريف المتكلم ما يعم أقسامه الثلاثة المذكورة.
ثانيهما: بناء الفقيه على عدم الإجزاء بموافقة الأمر الظاهري. حينئذ: يصدق أنه كلما يسقط الإعادة و القضاء موافق للأمر، إذ المفروض: كون مطلق الأمر مرادا للمتكلم، و ما يسقط الإعادة و القضاء موافق للأمر الواقعي الأولي أو الثانوي، و كلاهما مراد للمتكلم. و لا عكس، أي: لا يصدق إن كل ما هو موافق للأمر مسقط للإعادة أو القضاء، ذلك لأن المأمور به بالأمر الظاهري و إن كان موافقا للأمر عند المتكلم، لأن المفروض: أنه أراد بالأمر في تعريفه ما يعم أقسامه الثلاثة، لكنه ليس مسقطا للإعادة أو القضاء، لأن الفقيه لا يقول بمسقطية الأمر الظاهري لهما، و حينئذ: فبانتفاء أحد الأمرين- أعني تعميم الأمر الظاهري، و عدم الإجزاء بأن خص المتكلم الأمر بالواقعي، أو بنى الفقيه على الإجزاء- تنتفي النسبة المذكورة بين التعريفين، و تكون النسبة بينهما هي التساوي، لأن موافقة مطلق الأمر مسقطة للإعادة أو القضاء، و كذا كل مسقط لهما موافق للأمر. فعلى انتفاء أول الأمرين: تكون الصلاة مع الطهارة المستصحبة موافقة للأمر الظاهري، و مسقطة لهما، و على انتفاء ثانيهما: لا تكون الصلاة المذكورة موافقة للأمر، و لا مسقطة للإعادة أو القضاء.
فالنتيجة: المنع عن كون النسبة بينهما عموما مطلقا كما عن المشهور، لما عرفت من توقفهما على ثبوت الأمرين المزبورين اللذين بانتفاء أحدهما تنقلب النسبة إلى التساوي، و حيث إنهما غير ثابتين- لاختلاف الأنظار فيهما- لم يثبت كون النسبة بينهما هي العموم المطلق، بل ربما تكون هي التساوي كما تقدم. كما يمكن أن يكون تعريف الفقيه أعم من تعريف المتكلم على العكس كما عن المشهور إذا أريد بالأمر خصوص الواقعي مع بناء الفقيه على الإجزاء بموافقة الأمر الظاهري، إذ يصدق حينئذ:
أن كل ما يوافق الأمر الواقعي مسقط للإعادة و القضاء، و لا عكس، إذ المفروض: أن المأمور به بالأمر الظاهري مسقط لهما، و ليس موافقا للأمر عند المتكلم» [١].
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٢٥٤- ٢٥٥.