المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤١٥ - ١- الإجزاء في الأمارة مع انكشاف الخطأ يقينا
و التصويب بهذا المعنى قد اجتمعت الإمامية على بطلانه (١)، و سيأتي البحث عنه في (مباحث الحجة).
و أما القول بالمصلحة السلوكية- أي: أن نفس متابعة الأمارة فيه مصلحة ملزمة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع (٢)، و إن لم تحدث مصلحة في نفس الفعل الذي أدت الأمارة إلى وجوبه- فهذا قول لبعض الإمامية لتصحيح جعل الطرق
(١) في بيان القول بالإجزاء عن طريق مسلك السببية لأنه بجعل الأمارة حجة، يعني: فرض صيرورتها سببا لحدوث المصلحة في مؤداها، فإذا أدت إلى وجوب الظهر مثلا فمؤداها- و هو وجوب الظهر- لا بدّ من حدوث المصلحة فيه؛ و إلا كان جعل الحجية للحكم الظاهري من قبل المولى قبيحا لأنه يكون مفوتا للمصلحة الواقعية على المكلف و ملقيا له في المفسدة، و لذا: يلزم إجزاء الحكم الظاهري لعدم الفرق- بحسب الفرض- بين الحكم الظاهري «صلاة الظهر» و بين الحكم الواقعي «صلاة الجمعة» في الوفاء بالمصلحة.
و هذا المسلك القائل بكون الأمارة سببا لحدوث المصلحة في مؤداها هو المعروف بمسلك السببية.
فمسلك السببية نشأ لأجل الفرار من مشكلة و محصلها ما يلي: جعل الشارع الأمارة حجة (خبر الثقة مثلا) يفوّت بهذا مصلحة الواقع باعتبار أنه ربما يكون الثابت واقعا خلاف مؤدى الأمارة، فإذا جعل المولى «سبحانه و تعالى» خبر الثقة حجة و كان دالا على وجوب الظهر بينما الواقع الواجب هو صلاة الجمعة. فبحجية خبر الثقة الدال على وجوب الظهر سوف يفوت على المكلف المصلحة الواقعية و هي صلاة الجمعة. و من و الواضح: أن تفويت المصلحة الواقعية أمر قبيح، و هذه المشكلة نشأت من جعل الأمارة حجة، و من أجل الفرار من هذه المشكلة جعل الشارع للأمارة مصلحة تساوي مقدار مصلحة الواقع. حينئذ: لا محذور بعد ذلك في جعلها حجة. إلا أن السيد الشهيد الصدر « ((قدس سره) يبطل هذا المسلك قائلا: القول بمسلك السببية يلزم التصويب؛ إذ لو فرض أن مؤدي الأمارة (وجوب الظهر) المجعول لها الحجية من قبل الشارع تساوي مقدار مصلحة الحكم الواقعي (وجوب الجمعة) يلزم: تبدل الواقع من التعيين إلى التخيير، فالثابت في الواقع قبل الأمارة هو وجوب صلاة الجمعة بنحو التعيين، و عند قيام الأمارة و حدوث مصلحة في الظهر بمقدار مصلحة الواقع يلزم تبدل تعين وجوب الجمعة إلى تخيير بين صلاة الجمعة و بين الظهر، فإنه بعد اشتمال كل من الجمعة و الظهر على مصلحة متعادلة فلا وجه لتخصيص الوجوب بالجمعة؛ بل يلزم انقلابه إلى التخيير، و هذا نحو من أنحاء التصويب الباطل، فإن للتصويب أنحاء منها: أن لا يكون في الواقع حكم أبدا و إنما يحدث بعد قيام الأمارة و منها: أن يكون في الواقع حكم و لكنه يتبدل كما هو الحال في المقام [١].
(٢) لأنّه ينشئ على طبقها حكما واقعيا، و إلا للزم التصويب الباطل.
[١] راجع الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ٢، ص ٤١٣. (بتصرف).