المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠١ - ٤- التخييري و التعييني
إفادته. و هذا كوجوب المشي إلى السوق المفهوم من أمر المولى بوجوب شراء اللحم من السوق، فإن المشي إليها حينئذ يكون واجبا لكنه لم يكن مقصودا بالإفادة من الكلام. كما في كل دلالة التزامية فيما لم يكن اللزوم فيها من قبيل البين بالمعنى الأخص (١).
٤- التخييري و التعييني
(الواجب التعييني): ما تعلق به الطلب بخصوصه، و ليس له عدل في مقام الامتثال، كالصلاة و الصوم في شهر رمضان، فإن الصلاة واجبة لمصلحة في نفسها لا يقوم مقامها واجب آخر في عرضها. و قد عرفناه فيما سبق ص ١٨٥ بقولنا: «هو الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له و بديلا عنه في عرضه». و إنما قيدنا البديل في عرضه، لأن بعض الواجبات التعينية قد يكون لها بديل في طولها و لا يخرجها عن كونها واجبات تعيينية كالوضوء مثلا الذي له بديل في طوله و هو التيمم، لأنه إنما يجب إذا تعذر الوضوء، و كالغسل بالنسبة إلى التيمم أيضا كذلك. و كخصال الكفارة المرتبة نحو كفارة قتل الخطأ، و هي العتق أولا فإن تعذر فصيام شهرين فإن تعذر فإطعام ستين مسكينا.
(الواجب التخييري): ما كان له عدل و بديل في عرضه، و لم يتعلق به الطلب بخصوصه، بل كان المطلوب هو أو غيره يتخير بينهما المكلف. و هو كالصوم الواجب في كفارة إفطار شهر رمضان عمدا، فإنه واجب و لكن يجوز تركه و تبديله بعتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا.
و الأصل في هذا التقسيم: أن غرض المولى ربما يتعلق بشيء معين، فإنه لا مناص حينئذ من أن يكون هو المبعوث إليه وحده. فيكون (واجبا تعيينيا). و ربما يتعلق غرضه بأحد شيئين أو أشياء لا على التعيين، بمعنى: أن كلا منها محصل لغرضه،
(١) المشي هنا في المثال لازم بين بالمعنى الأعم و ليس لازما و بينا بالمعنى الأخص، فإن الحكم بوجوب المشي لا يكفي فيه تصور وجوب شراء اللحم، بل لا بدّ من تصوره، و تصور اللازم و هو وجوب و تصور النسبة بينهما حتى نجزم بالملازمة، و واضح الفرق بين البين بالمعنى الأخص و البين بالمعنى الأعم و أثرهما، فإن البين بالمعنى الأخص يكون مقصودا بالكلام حاله حال المدلول المطابقي، فيكون كل منهما واجبا أصليا، بخلاف البين بالمعنى الأعم فإنه لما لم يكن مقصودا بالكلام بل تبعا فلا بدّ أن يكون واجبا تبعيا.