المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥ - موضوع علم الأصول (١)
و استدل أصحاب الاتجاه الأخير بدليلين: الدليل الأول: إن هناك كلاما مشهورا يقول: إن العلوم يمتاز بعضها عن البعض الآخر بواسطة الموضوعات، فعلم النحو يمتاز عن علم الطب بأن ذاك يبحث عن الكلمة و الكلام، و هذا يبحث عن بدن الإنسان، و اختصاص كل منهما بموضوعه الخاص سبّب استقلالية و امتياز ذاك عن هذا، و لو لا هذا الامتياز في الموضوع لما كان علم النحو و الطب علمين؛ بل كانا علما واحدا. و إذا صح هذا الكلام: كان اللازم منه: ثبوت الموضوع لكل علم؛ ليتم من خلاله امتياز علم عن علم.
و يرد هذا الدليل: إن جعل الامتياز في الموضوع سببا لامتياز العلوم بعضها عن بعض موقوف على التسليم باشتمال كل علم على موضوع خاص به، أما إذا أنكرنا ذلك فلا بد و أن يكون الامتياز بواسطة طريق آخر غير الموضوع؛ كأن يقال مثلا: إن الامتياز بواسطة الغرض، فالغرض من علم النحو- بما أنه صون اللسان عن الخطأ- صار ذلك سببا لامتيازه عن علم المنطق- الذي له غرض آخر و هو صون التفكير عن الخطأ- إذا: هذا الدليل يشتمل على المصادرة، أي: أنه استدل بشيء يحتاج إلى التسليم بالمدعى المتنازع فيه.
الدليل الثاني: إنا نسأل و نقول: بم تمتاز بعض العلوم عن البعض الآخر؟ فإن أجيب بأنه يحصل عن طريق التمايز بين الموضوعات- كما ذكر ذلك في الدليل الأوّل- فهذا معناه التسليم بوجود موضوع لكل علم حتى يحصل عن طريق التمايز فيه التمايز بين العلوم، و إن أنكر ذلك و قيل: أن التمايز بين العلوم يحصل عن طريق التمايز بين الأغراض- كما ذكر ذلك في الإجابة عن الدليل الأوّل- فهذا أيضا يستلزم الاعتراف بوجود الموضوع لكل علم؛ لأن كل علم و إن كان له غرض غير الغرض الثابت في العلم الآخر إلا أنه- الغرض- في كل علم شيء واحد، فالغرض من علم النحو مثلا: شيء واحد، و هو صون اللسان عن الخطأ، و حين ذاك نسأل عن هذا الغرض الواحد بم يحصل؟ لا بدّ و أن يكون الجواب بحصوله بواسطة المسائل، فإن لعلم النحو مسائل متعددة مثل: «الفاعل مرفوع» و «المفعول منصوب» و «المضاف إليه مجرور» و هكذا، و هذه المسائل هي التي تحصل الغرض و توجب صون اللسان لمن اطلع عليها، و لكن هذه المسائل هي أشياء متعددة و الأشياء المتعددة كيف تحصّل غرضا واحدا؟ إن هذا غير ممكن إذ لازمه صدور الواحد من الكثير، و هو مستحيل، فإن الواحد لا يصدر إلا من شيء واحد.
إذا: لا بدّ و أن نفترض أن مجموع تلك المسائل المتعددة يرجع إلى قضية واحدة كيما تكون تلك القضيّة الواحدة هي المحصّلة لذلك الغرض الواحد، و تلك القضيّة الواحدة- لكي تكون جامعة بين تلك المسائل المتعددة- لا بدّ و أن تكون ذات موضوع واحد كلي يسع جميع موضوعات تلك المسائل، و ذات محمول واحد كلي يسع جميع محمولات تلك المسائل. و تلك القضيّة الواحدة يمكن فرضها هكذا: الكلمة لها حكم إعرابي، إن الموضوع في هذه القضية هو الكلمة التي هي شاملة للفاعل و المفعول به و المضاف إليه، و المحمول هو الحكم الإعرابي الذي هو جامع بين مرفوع و منصوب و مجرور، و إذا سلّمت هذه القضيّة الواحدة: فلازم ذلك: التسليم بضرورة وجود الموضوع لعلم النحو و هو الأمر الجامع بين موضوعات المسائل. هذه حصيلة الدليل الثاني.