المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٦١ - ٦- وقوع الوضع العام و الموضوع له الخاص و تحقيق المعنى الحرفي
٢- إن الحروف لم توضع لمعان أصلا، بل حالها حال علامات الإعراب في إفادة كيفية خاصة في لفظ آخر، فكما أن علامة الرفع في قولهم: (حدثنا زرارة) تدل على أن زرارة فاعل الحديث، كذلك (من) في المثال المتقدم تدل على أن النجف مبتدأ منها و السير مبتدأ به.
٣- إن الحروف موضوعة لمعان مباينة في حقيقتها و سنخها للمعاني الاسمية، فإن المعاني الاسمية في حد ذاتها معان مستقلة في أنفسها، و معاني الحروف لا استقلال لها بل هي متقومة بغيرها (١).
و الصحيح هذا القول الثالث. و يحتاج إلى توضيح و بيان:
إن المعاني الموجودة في الخارج على نحوين:
الأول: ما يكون موجودا في نفسه (٢)، (كزيد) الذي هو من جنس الجوهر (٣)، و (قيامه) مثلا الذي هو من جنس العرض (٤)، فإن كلا منهما موجود في نفسه.
و الفرق أن الجوهر موجود في نفسه لنفسه، و العرض موجود في نفسه لغيره.
الثاني: ما يكون موجودا لا في نفسه، كنسبة القيام إلى زيد.
و الدليل على كون هذا المعنى لا في نفسه: أنه لو كان للنسب و الروابط وجودات
و متى ما نلحظ معنى الابتداء حالة قائمة بالغير فقد وضعت له كلمة (من)، فاتضح إذا: أن سبب عدم إمكان استعمال أحدهما موضع الآخر هو اختلاف نحو الوضع كما قلنا.
و لكن قد يشكل على الآخوند بأن نقول: سلمنا اختلاف الحروف عن الأسماء في نحو الوضع، و أن الواضع عند ما لاحظ الابتداء مستقلا وضع له (الابتداء)، و عند ما لاحظه حالة قائمة بالغير وضع له (من)، و لكن لازم ذلك: أن المستعمل لو استعمل (من) في موضوع (الابتداء) لم يحصل من استعماله إلا عصيان الواضع، و الاستعمال يكون صحيحا لأنه في المعنى الموضوع له، مع أننا بالوجدان نرى أن استعمال أحدهما موضع الآخر ليس فقط يسبب عصيان الواضع بل بطلان أصل الاستعمال، و هذا يوضح لنا اختلاف معنى الحرف عن معنى الاسم، و عدم اتحادهما و هو خلاف لرأي الآخوند (قدس سره).
(١) هذا القول ما ذهب إليه المشهور من المحققين بعد صاحب الكفاية.
(٢) أي: له تحقق في نفسه، و لو وجود استقلالي.
(٣) يعرّف الجوهر بتعريف هو: الموجود لا في موضوع، فإن زيدا من جنس الجوهر باعتباره موجودا لا في موضوع، أي: لزيد تحقق في نفسه و له وجود استقلالي.
(٤) و يعرّف العرض بتعريف هو: الموجود في موضوع، كالقيام الموجود في زيد، فمن دون الموضوع لا قيام.