المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٩ - ٤- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح
و هي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات (١). فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات، كما توهمه بعض الناس و منهم الأشاعرة كما سيأتي في دليلهم (٢). و قد أوضحت ذلك في الجزء الثّالث من (المنطق) في مبادئ القياسات، فراجع.
و من هنا يتضح لكم جيدا: أن العدلية- إذ يقولون بالحسن و القبح العقليين- يريدون أن الحسن و القبح من الآراء المحمودة و القضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحية؛ و هي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.
و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي: أن واقعها ذلك. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم: أن فاعله ممدوح لدى العقلاء و معنى قبح الظلم و الجهل: أن فاعله مذموم لديهم (٣).
و يكفينا شاهدا على ما نقول- من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة التي لا واقع لها إلا الشهرة و إنها ليست من قسم الضروريات- ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الإشارات: «و منها: الآراء المسماة بالمحمودة. و ربما خصصناها باسم الشهرة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، و هي آراء لو خلي الإنسان و عقله المجرد و وهمه و حسه و لم يؤدب بقبول قضاياها و الاعتراف بها ... لم يقض بها الإنسان طاعة
(١) ما هو الفرق بين القضايا المشهورة، و بين القضايا الضرورية؟ الفرق بينهما هو: أن أحكام العقل إما ضرورية بديهية، و هي موجودة مع غض النظر عن تطابق آراء العقلاء، و إمّا مشهورة، و هي لا واقعية لها إلا بتطابق آراء العقلاء، و التأدب بها.
(٢) قد يشكل على المصنّف: بأن الأشاعرة هم من الأساس ينفون كون الحسن و القبح عقليين، فكيف يقول المصنّف أنّهم توهموا بأن الحسن و القبح أمران عقليان ضروريان؟ نقول: إن الأشاعرة توهموا بأن العدلية يرون الحسن و القبح أمرين عقليين ضروريين، لا إن الشاعرة توهموا بأن العدلية يرون الحسن و القبح عقليين ضروريين، و ممّا يدل على هذا التوهم ما سيأتي في دليلهم من قولهم: إن الحسن و القبح لو كانا عقليين لما اختلف فيهما اثنان، و الاختلاف حاصل، و هذا دليل على إنّهما ليسا بعقليين، فهذه العبارة منهم تدل على أنّهم توهموا من أن العدلية يرون أن الحسن و القبح من الأقسام العقلية الضرورية لا من المشهورات، و سوف يأتي من المصنّف في مقام الجواب عليهم من أننا نجعل الحسن و القبح من المشهورات، و المشهورات يجوز أن يختلف فيها اثنان فيبطل دليلهم.
(٣) و لا ينافي هذا: أن العلم حسن من جهة أخرى و هي جهة كونه كمالا للنفس، و الجهل قبيح لكونه نقصانا. (المصنف).