المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٣ - ٧- تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده (١)
يبقى على دلالته على العموم، فأي المخالفتين أولى؟ وقع الخلاف على أقوال ثلاثة:
(الأوّل): أن أصالة العموم هي المقدمة، فيلتزم بالمخالفة الثّانية.
(الثّاني): أن أصالة عدم الاستخدام هي المقدمة، فيلتزم بالمخالفة الأولى.
(الثّالث): عدم جريان الأصلين معا، و الرجوع إلى الأصول العملية.
أما عدم جريان أصالة العموم: فلوجود ما يصلح أن يكون قرينة في الكلام و هو عدم عود الضمير على البعض، فلا ينعقد ظهور العام في العموم.
و أما أن أصالة عدم الاستخدام لا تجري: فلأن الأصول اللفظية يشترط في جريانها- كما سبق أوّل الكتاب- أن يكون الشك في مراد المتكلم، فلو كان المراد معلوما- كما في المقام- و كان الشك في كيفية الاستعمال، فلا تجري قطعا (١).
بالمطر المراد من كلمة السماء.
و بعد أن عرفنا معنى الاستخدام نقول: لو تعقب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده، مثل قوله تعالى:
وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ.
البقرة: ٢٢٨. إلى قوله تعالى: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ. و لا شك في: أن ضمير بُعُولَتُهُنَ يرجع إلى بعض أفراد المطلقات و هن الرجعيات لا عموم المطلقات، فيدور الأمر بين الاستخدام أو التخصيص.
لأنه إن أريد من المرجع عموم المطلقات فذلك استخدام؛ و إن أريد من المرجع معنى- و هو عموم المطلقات- و من الضمير معنى آخر- و هو خصوص الرجعيات- و إن أريد من المرجع خصوص الرجعيات فهذا هو التخصيص، و لا يخلو الأمر من أحد هذين.
و هناك من ذهب إلى التوقف و السبب في ذلك: يرجع إلى الفرار من التحكم و الترجيح بلا مرجح.
لأن تخصيص العام ببعض أفراده يستدعي التصرف بظاهره من غير مبرر. و أيضا بقاء العام على ظاهره يستدعي التصرف بالضمير الخاص ببعض الأفراد و صرفه عن ظاهره إلى كل الأفراد على سبيل الاستخدام من غير مبرر. و لذلك ذهبوا إلى التوقف و الصمت [١].
(١) و في المقام: لما كانت إرادة الرجعيات من ضمير بُعُولَتُهُنَ معلومة، و كان الشك في كيفية إرادتها، و أن إرادتها منه على نحو الحقيقة، بأن أريد من مرجعه خصوص الرجعيات، أو على نحو المجاز، بأن أريد من مرجعه جميع المطلقات، و التجوز حينئذ في ناحية الضمير، فلا تجري أصالة الظهور أي: عدم الاستخدام في الضمير، بل تجري أصالة الظهور أي: العموم في العام، فيحكم بوجوب
[١] المصادر (بتصرف): ١- منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٣، ص ٦١٣- ٦١٤. (المتن و الشرح)
٢- منتهى الأصول، ج ١، ص ٦٦٥.
٣- علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، ص ١٨٤.