المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٥ - استعمال اللفظ في أكثر من معنى (١)
هذا فضلا على أنه لو جاز تثنية «العين الباصرة» و «و العين النابعة» بقولنا: «جئني بعينين» لم يدل هذا على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل هما كتثنية «القمرين، الشمس و القمر». أي: لا تدل التثنية إلا على تعدد المعنى بتكرار اللفظ، و إرادة فردين من معنيين مختلفين، فهو استعمال للمفرد الأول لوحده في معناه، و استعمال للمفرد الثاني لوحده في معناه الآخر، فكأنني قلت: «جئني بعين و عين» باستعمال الأولى في «الباصرة» و الثانية في «النابعة».
نعم: يمكن تصور صدره قد استعمل فيها اللفظ في أكثر من معنى و هي فيما لو قال: «جئني بعينين» و أراد جئني بفردين من الباصرة و بفردين من النابعة، فقد استعملت العينان حينئذ في معنيين مجازا.
و هنا لا يجدي قول صاحب المعالم في أن التثنية بمنزلة تكرار اللفظ فيكون استعمالا حقيقيا، لتعيّن إلغاء قيد الوحدة في مثل هذا الاستعمال، و ذلك لأن المثنى عند صاحب المعالم هو: ما أريد منه فردان من معنيين، مع تقيد كل من المعنيين بقيد الوحدة أو فردان من معنى واحد مع تقيد كل من الفردين بقيد الوحدة أيضا، فمعنى: «جئني بعينين» عنده إما جئني بعين جارية واحدة، و بعين باصرة واحدة، و إما بمعنى: جئني بعين جارية واحدة و بعين جارية أخرى واحدة، فاستعمال العينيين في أربعة أفراد فردين من معنى، و فردين من معنى آخر مجازي لإلغاء قيد الوحدة حينئذ.
- قد يقال: إذا كان المفرد و أيضا المثنى و الجمع، أخذ في الجمع قيد الوحدة في المعنى، فما الفرق حينئذ بين المفرد، و المثنى و الجمع؟
- الجواب: الفرق واضح، و هو أن المراد من المفرد: هو الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في فرد واحد، و المراد من المثنى: هو أيضا إما الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في فردين كل منهما مقيد بقيد الوحدة، و إما الطبيعتين المقيدتين كل منهما بكونهما في فردين من كل منهما فقط لا أكثر. و المراد من الجمع:
هو إما الطبيعة الواحدة المقيدة بكونها في أكثر من فردين كل منهما مقيد بقيد الوحدة. و إما الطبائع المقيدة كل منهما بكونها في فردين من كل منهما.
وهم: إننا يمكن أن نثبت وقوع الاشتراك في ألفاظ القرآن فيها، بأخبار مفادها أن للقرآن بطونا سبعة أو سبعين، و الوقوع أدل دليل على الجواز.
دفع: إن كون القرآن له بطون لا يدل على استعمال ألفاظ القرآن فيها، و أنها مرادة على نحو استعمل اللفظ فيها، بل يمكن توجيهها بأحد وجهين.
الوجه الأول: إمكان أن تكون البطون مرادة بالاستقلال من دون دلالة للألفاظ عليها، و لكنها أريدت مقارنة لاستعمال الألفاظ في معانيها، فالألفاظ لم تدل على تلك المعاني حتى الدلالة الالتزامية.
الوجه الثاني: إمكان أن تكون البطون مرادة بالتبع، على نحو تدل الألفاظ عليها بالدلالة الالتزامية؛ و إن كانت أفهامنا قاصرة عن إدراك لوازم الألفاظ جميعها [١].
[١] المصادر: ١- محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ٢٠٥- ٢١٣.
٢- تقريراتي لدرس الكفاية لفضيلة الشيخ باقر الإيرواني (بتصرف).
٣- منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ١٧٦- ١٩٤.
٤- منتهى الأصول، ج ١، ص ١١٣- ١١٦.