المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٧ - استعمال اللفظ في أكثر من معنى (١)
و هذا نظير الصورة في المرآة، فإن الصورة موجودة بوجود المرآة، و الوجود الحقيقي للمرآة، و هذا الوجود نفسه ينسب إلى الصورة ثانيا، و بالعرض. فإذا نظر الناظر إلى الصورة في المرآة فإنما ينظر إليها بطريق المرآة بنظرة واحدة هي للصورة بالاستقلال و الأصالة و للمرآة بالآلية و التبع (١).
فتكون المرآة كاللفظ ملحوظة تبعا للحاظ الصورة، و فانية فيها فناء العنوان في المعنون (٢).
و على هذا: لا يمكن استعمال لفظ واحد إلا في معنى واحد، فإن استعماله في معنيين مستقلا بأن يكون كل منهما مرادا من اللفظ كما إذا لم يكن إلا نفسه، يستلزم لحاظ كل منهما بالأصالة، فلا بد من لحاظ اللفظ في آن واحد مرتين بالتبع، و معنى ذلك اجتماع لحاظين في آن واحد على ملحوظ واحد أعني به: اللفظ الفاني في كل من المعنيين. و هو الحال بالضرورة، فإن الشيء الواحد لا يقبل إلّا وجودا واحدا في النفس في آن واحد.
أ لا ترى إنه لا يمكن أن يقع لك أن تنظر في مرآة واحدة إلى صورة تسع المرآة كلها و تنظر- في نفس الوقت- إلى صورة أخرى تسعها أيضا. إن هذا لمحال.
و كذلك النظر في اللفظ إلى المعنيين، على أن يكون كل منهما قد استعمل فيه اللفظ مستقلا و لم يحك إلّا عنه.
نعم يجوز لحاظ اللفظ فانيا في معنى في استعمال، ثم لحاظه فانيا في معنى آخر في استعمال ثان، مثل ما تنظر في المرآة إلى صورة تسعها، ثم تنظر في وقت آخر إلى
(١) أي: هي آلة لإيجاد الصورة. فلما كان إيجاد الصورة لا يحصل إلا بالنظر إلى المرآة نظر إلى المرآة تبعا.
(٢) أي: كفناء مفهوم لفظ الإنسان (العنوان) في مصداقه (المعنون).
كيف تلحظ المفهوم و تجعله حاكيا عن مصداقه؟ بأن تقول: الإنسان ضاحك، فتشير إلى المصداق، و تحكم عليه بواسطة النظر إلى المفهوم، فنظر الناظر إلى المصداق في المفهوم إنما ينظر إلى المصداق بطريق و واسطة المفهوم فيكون النظر إلى المفهوم بالتبع، و النظر إلى المصداق بالاستقلال، و ذلك لمّا كان النظر إلى المصداق متوقف على النظر إلى المفهوم نظرنا إليه. و عليه: فالحكم متعلق بالمصداق فنقول:
الإنسان ضاحك، فإن مفهوم الإنسان ليس بضاحك و إنّما مصداق الإنسان هو الذي يضحك.
كذلك يكون اللفظ ملحوظا للمتكلم بل للسامع آلة و طريقا للمعنى و فانيا فيه.