المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٩ - ١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
هذه خلاصة الرأيين. و أعتقد عدم اتضاح رأي الطرفين بهذا البيان، و لا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبينها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لأحد الطرفين. و هو أمر ضروري مقدمة للمسألة الأصولية، و لتوقف وجوب المعرفة عليه.
فلا بد من بسط البحث بأوسع مما أخذنا على أنفسنا من الاختصار في هذا الكتاب، لأهمية هذا الموضوع من جهة، و لعدم إعطائه حقه من التنقيح في أكثر الكتب الكلامية و الأصولية من جهة أخرى.
و أكلفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حررته في الجزء الثّالث من المنطق ص ١٧- ٢٣ عن القضايا المشهورات، لتستعينوا به على ما هنا.
و الآن أعقد البحث هنا في أمور:
١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما:
إن الحسن و القبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاثة معان، فأي هذه المعاني هو موضوع النزاع؟ فنقول:
(أولا)- قد يطلق الحسن و القبح و يراد بهما الكمال و النقص. و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية (١) و لمتعلقات الأفعال (٢).
يأتي حكم العقل بحسن امتثاله)، و المرتبطان بعالم امتثاله و عصيانه من قبيل حسن الوضوء باعتباره طاعة لأمر شرعي، و قبح أكل لحم الأرنب بوصفه معصية لنهي شرعي. و الآخر: الحسن و القبح الواقعان بصورة منفصلة عن الحكم الشرعي، (أي: أن العقل هو بنفسه يحكم بقبح الظلم و حسن العدل. إذا: العقل هو الذي ينشئ الحكم)، كحسن الصدق و الأمانة، و قبح الكذب و الخيانة، ففي النوع الأوّل: يستحيل أن يكون الحسن و القبح مستلزما للحكم الشرعي، و إلا للزم التسلسل، لأن حسن الطاعة و قبح المعصية إذا استتبعا أمرا و نهيا شرعيين، كانت طاعة ذلك الأمر حسنة عقلا، و معصية هذا النهي قبيحة عقلا أيضا، و هذا الحسن و القبح يستلزم بدوره أمرا و نهيا و هذا الأمر حسن و النهي قبيح و هكذا حتى يتسلسل.
و أما في النوع الثاني، فالاستلزام ثابت و ليس فيه محذور التسلسل.
(١) قلنا سابقا: المصنّف لما ذا قال الأفعال الاختيارية فقط؟ لأجل إن الأفعال الاضطرارية لا تتصف بالحسن و القبح.
(٢) متعلقات الأفعال تنقسم إلى قسمين، متعلقات الأفعال من الصفات كالعلم، و متعلقات الأفعال من الأعيان مثل قولك: هذا المنظر، و بطبيعة الحال لا يقال له حسن باعتبار الكمال، و قبيح باعتبار النقص، و إنّما باعتبار الملاءمة و المنافرة للنفس.