المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٨ - (الأولى- التبادر)
يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع، و المفروض: أنه مستفاد من العلم بالوضع.
و (الجواب): أن كل فرد من أية أمة يعيش معها لا بدّ أن يستعمل الألفاظ المتداولة عندها تبعا لها، و لا بد أن يرتكز في ذهنه معنى اللفظ ارتكازا يستوجب انسباق ذهنه إلى المعنى عند سماع اللفظ، و قد يكون ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيلي إليه و إلى خصوصيات المعنى. فإذا أراد الإنسان معرفة المعنى و تلك الخصوصيات توجهت نفسه إليه، فإنه يفتش عما هو مرتكز في نفسه من المعنى، فينظر إليه مستقلا عن القرينة، فيرى أن المتبادر من اللفظ الخاص ما هو من معناه الارتكازي، فيعرف أنه حقيقة فيه.
فالعلم بالوضع لمعنى خاص بخصوصياته التفصيلية- أي: الالتفات التفصيلي إلى الوضع و التوجه إليه- يتوقف على التبادر، و التبادر إنما هو موقوف على العلم الارتكازي بوضع اللفظ لمعناه غير الملتفت إليه.
و الحاصل: أن هناك علمين، أحدهما: يتوقف على التبادر و هو العلم التفصيلي، و الآخر يتوقف التبادر عليه و هو العلم الإجمالي الارتكازي.
هذا الجواب بالقياس إلى العالم بالوضع، و أما بالقياس إلى غير العالم به: فلا يعقل حصول التبادر عنده لفرض جهله باللغة. نعم يكون التبادر أمارة على الحقيقة عنده إذا شاهد التبادر عند أهل اللغة، يعني: أن الأمارة عنده تبادر غيره من أهل اللغة.
ذهنك علم إجمالي بأن «الحيوان المفترس» معنى للفظ «الأسد»، و لا تعلم تفصيلا بأنه موضوع له، ثم إذا: التفت إلى ذلك، و رأيت أن معنى «الحيوان المفترس» هو المعنى المتبادر من لفظ «الأسد» فسوف تعلم تفصيلا أنه موضوع له حقيقة؛ لأن التبادر علامة الحقيقة.
إلا أن السيّد محمد باقر الصدر يرد على الاعتراض بالدور قائلا: لا محل له أساسا لأنه مبني على افتراض أن انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ فرع العلم بالوضع، مع أن التبادر فرع نفس الوضع أي:
وجود عملية القرن الأكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى في ذهن الشخص، فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة «ماما» برؤية أمه يكفي نفس هذا الاقتران الأكيد ليتصور أمه عند ما يسمع كلمة «ماما»، مع إنه ليس عالما بالوضع؛ إذ لا يعرف معنى الوضع، فالتبادر إذا: يتوقف على وجود عملية القرن الأكيد بين التّصوّرين في ذهن الشخص، و المطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أي: العلم بذلك القرن الأكيد فلا دور. إذا: العلم بالوضع يتوقف على التبادر، و التبادر يتوقف على وجود عملية القرن الأكيد بين التصورين في الذهن. فلا دور لوجود المغايرة.