المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٤ - تحرير محل النزاع
أولا: الجملة الشرطية: هل الجملة الشرطية تدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل على الثبوت عند الثبوت، أم لا تدل على الانتفاء عند الانتفاء؟
إذا قيل: «إذا جاءك زيد فأكرمه» هذه جملة شرطية و بلا إشكال تدل على الثبوت عند الثبوت، بمعنى:
إذا ثبت «المجيء» ثبت «الإكرام»، و هذا يستفاد من منطوق الكلام؛ ثم قال صاحب الكفاية: أيضا لا إشكال- في بعض الأحيان و لو بالقرينة- أن تستعمل الشرطية في الانتفاء عند الانتفاء بمعنى: «إذا لم يجئ زيد فلا تكرمه»، و هذا يعني: إن صاحب الكفاية لا يقول بمفهوم الشرط بخلاف كلام المشهور لأن تعليق الحكم على الشرط معناه الانتفاء بانتفائه.
و بعبارة أخرى: إن الجملة الشرطية لا يثبت لها مفهوم الشرط إلا بعد أن تدل بطبعها على الانتفاء عند الانتفاء، و أن تكون بطبعها تدل على العلية الانحصارية يعني: إذا ثبت أن الشرط علة منحصرة لوجود الإكرام، أي: إذا ثبت أن «المجيء» علة منحصرة فيه يثبت وجوب الإكرام عند تحققه و إلا فلا. و إذا لم نستطع أن نقول أن الشرط «المجيء» علة منحصرة لا نستطيع عند انتفاء الشرط «عدم المجيء» إن ثبت «عدم الإكرام» لأنه قد توجد علة أخرى في وجوب الإكرام غير «المجيء».
- إذا: كلامنا في أن الشرطية بطبعها تقتضي أن الشرط علة منحصرة أم لا؟ فإذا ثبت أن الشرطية بطبعها علة منحصرة يستبطن إثبات أربع دعاوى.
الدعوى الأولى: ثبوت الملازمة بين الشرط و بين الجزء نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة، كأن يكون المقدم علة للتالي، مثل: «إن كان هذا متعفن الأخلاط فهو محموم» أو العكس مثل: «إن كان هذا محموما فهو متعفن الأخلاط»، أو يكون كلاهما معا معلولين لعلة ثالثة، مثل: «إن كان الخمر حراما كان بيعه باطلا» فإن الحرمة و البيع معلولان للإسكار. أو يكون بينهما نسبة التضايف تحققا و تعقلا، مثل: «إن كان زيد ابن عمر، فعمرو أب له»، فلو كانت القضية الشرطية اتفاقية مثل: «إن كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا» فلا مفهوم لها، إذ لا تدل حينئذ إلا على مجرد الثبوت عند الثبوت، و المفروض: توقف المفهوم على دلالة القضية المنطوقية على الانتفاء عند الانتفاء.
الدعوى الثانية: أن يكون اللزوم بنحو الترتب، يعني: الشرط متقدم و الجزاء متأخر، فإذا كان العكس لا مفهوم. بمعنى: قد يفرض القضية عكسية بأن لا يكون هناك ترتب في البين بأن يفترض الشرط هو المعلول، الجزاء هو العلة في مثال: «إذا كان النهار موجودا فالشمس طالعة»، فلزوم موجود و لكن لا على نحو الترتب؛ لأن «الشمس طالعة» ليس مترتب على وجود النهار بل النهار مترتب على طلوع الشمس.
الدعوى الثالثة: إذا ثبتت الدعوى الثانية لا بدّ من ثبوت هذا المتقدم على أن يكون علة.
الدعوى الرابعة: إذا ثبتت الدعوى الثالثة لا بدّ أن أثبت أن هذه العلة علة منحصرة.
إذا ثبتت هذه الدعاوى الأربع حينئذ يثبت المفهوم للجملة الشرطية.
و أما المنكر للمفهوم لهذه الجملة الشرطية يكفي أن ينسف واحدة من هذه الدعاوى الأربع في إثبات عدم المفهوم.
- إذا: من يقول بالعلية الانحصارية عليه أن يثبت هذه الدعاوى الأربع.