المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٧ - الصحيح و الأعم (١)
المتكلمين السابق ليس اختلافا في معنى الصحة، بل لما كان المهم البحث عند الفقهاء يختلف عنه عند المتكلمين، عرّف كل منهما الصحة بلازمها المهم بنظرة، فلما كان المهم لدى الفقهاء هو الأحكام، فسرّوا الصحة بعدم وجوب القضاء أو الإعادة، و هذا من لوازم كون العبادة تامة، فإذا صلّى الإنسان «صلاة» تامة الأجزاء و الشرائط لا يجب عليه إعادتها و لا قضاؤها.
و لما كان المهم لدى المتكلمين هو استحقاق الثواب أو العقاب، فسروا الصحة بموافقة الأمر أو الشريعة، و هذا من لوازم كون العبادة تامة، فإذا صلى «الإنسان» صلاة تامة فقد وافق الأمر أو الشريعة، و استحق الثواب و سقط عنه العقاب.
تنبيه: إذا اتضح هذا نقول: يتبين إن الخلاف السابق ليس في أصل معنى الصحة، بل في لوازمها، و هو لا يوجب القول بتعدد معنى الصحة، و مثل هذا الاختلاف هو اختلاف «الصلاة» بحسب حالات المكلف من السفر و الحضر و الاختيار و الاضطرار، فإن «صلاة المسافر» تختلف عن «صلاة الحاضر»، و مع ذلك معنى «الصلاة» واحد.
فانقدح مما تقدم: أن الصحة في الفساد من الأمور الإضافية غير الحقيقة و الذاتية، «فالصلاة المقصورة» صحيحة بالإضافة إلى المسافر، فإن «الصلاة المقصورة» بالنسبة إليه تامة. و فاسدة بالإضافة إلى الحاضر، لأن «الصلاة المقصورة» بالنسبة إلى الحاضر ناقصة.
- الأمر الثالث: إنه لا بدّ على كلا القولين: «القول بالوضع للصحيح أو للأعم» لا بدّ من تحصيل جامع يجمع الأفراد الصحيحة أو الأعم منها، لكي يكون لفظة «صلاة» مثلا موضوعة له، و من المتفق عليه لديهم: أن ألفاظ العبادات من ألفاظ «المشترك المعنوي» أي: موضوع كلي ينطبق على أفراد، لا من المشترك اللفظي أي: موضوع مباشرة على المصاديق الخارجية، فإن صلاتي في الخارج ليست هي «الصلاة» بل هي مصداق لمعنى «الصلاة» الكلي التي هي فرضا «الناهية عن الفحشاء و المنكر». فلا بدّ إذا على كل من القائلين بالصحيح أو الأعم أن يصوروا لنا جامعا مناسبا لقولهم، فإن تمكنوا من ذلك فبها، و إلا يتضح بطلان دعواهم.
تصوير الجامع على القول بالوضع للصحيح: مما لا إشكال فيه خلافا للشيخ الأنصاري (قدس سره) أن لأفراد الصحيح جامع يمكن الإشارة إليه بخواصه و آثاره، لاشتراك الأفراد الصحيحة في أثر واحد، و هو مثلا في «الصلاة» كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، و الاتحاد في أثر واحد يدل على وجود مؤثر واحد في جميع أفراد الصحيح، و ذلك المؤثر هو الجامع.
رأي الشيخ الأنصاري: إنه لا يمكن تصوير جامع على القول بالوضع لخصوص الصحيح؛ و ذلك لأنه إما أن نفرض الجامع بسيطا أو مركبا من أجزاء معينة، و كلاهما باطل.
أما بطلان المركب: فلعدم إمكان تحديده في أجزاء معينة، لاختلاف الأجزاء عند اختلاف أحوال المكلفين من صحة و عجز و سفر و حضر ... إلخ.
و أما بطلان البسيط: فلأنه لا يخلو إما أن ندعي إن الجامع مع البسيط هو مفهوم المطلوب، فالصلوات الصحيحة مثلا يجمعها كونها مطلوبة، و إما أن ندعي أن الجامع البسيط ليس هو عنوان المطلوب بل هو لازم لهذا العنوان ككونها ذات مصلحة أو محبوبة، لأن من لوازم كون «الصلاة» مثلا مطلوبة أن