المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١ - ١- حقيقة الوضع (١)
المقدمة
تبحث عن أمور لها علاقة بوضع الألفاظ و استعمالها و دلالتها، و فيها أربعة عشر مبحثا:
١- حقيقة الوضع (١)
لا شك إن دلالة الألفاظ على معانيها في أية لغة كانت ليست ذاتية، كذاتية
حقيقة الوضع: (١) الوضع و علاقته بالدلالات الثّلاث:
قال الشّهيد الصدر: الدلالة التصورية هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ، و تصور المعنى، و لما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر اتجه البحث إلى تبريرها، و من هنا نشأت عدة احتمالات.
- الاحتمال الأوّل: احتمال السببية الذاتية بأن يكون اللفظ بذاته دالا على المعنى و سببا لإحضار صورته. و لا شك في سقوط هذا الاحتمال، و ذلك لما نراه من الانجليزي الجاهل باللغة العربية حينما يسمع لفظة الماء، فإنه لا يحضر في ذهنه المعنى، و هذا برهان واضح على بطلان هذا الاحتمال.
- الاحتمال الثاني: يفترض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ و المعنى نشأت من الوضع، و ذلك لأن الوضع هو الذي أوجد هذه السببية. و الوضع عبارة عن الاعتبار. و حاصل هذا الاحتمال هو إنكار الدلالة الذاتية، و افتراض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ و المعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الأوّل أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة، و تكلموا بها، فإن هؤلاء خصصوا ألفاظا معينة لمعان خاصة، فاكتسبت الألفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعاني، و أصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص، و ذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل، و نتجت عنه الدلالة يسمى ب (الوضع)، و يسمى الممارس له (واضعا)، و اللفظ (موضوعا)، و المعنى (موضوعا له).
ثم عقب السيّد الصّدر (قدس سره) على ذلك بقوله: في الحقيقة إن هذا الاتجاه و إن كان على حق في إنكاره للدلالة الذاتية، و لكنه لم يتقدم إلا خطوة قصيرة في حل المشكلة الأساسيّة التي لا تزال قائمة حتى بعد الفرضية التي يفترضها أصحاب هذا الاتجاه، فنحن إذا افترضنا معهم أن العلاقة السببية نشأت نتيجة لعمل قام به مؤسسو اللغة خصصوا كل لفظ لمعنى خاص، فلنا أن نتساءل ما هو نوع هذا العمل الذي قام به هؤلاء المؤسسون؟ فسوف نجد إن المشكلة لا تزال قائمة لأن اللفظ و المعنى ما داما لا يوجد بينهما علاقة ذاتية، و لا أي ارتباط مسبق فكيف استطاع مؤسس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما؟ و هل يكفي مجرد تخصيص المؤسس للفظ و تعيينه له سببا لتصور