المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٨ - ٨- المقدمات المفوتة
على أن يصدر من الغير، فإذا اشتاقه لا بدّ أن يدعو الغير و يدفعه و يحثه على الفعل فيشتاق إلى الأمر به. و إذا لم يحصل مانع من الأمر فلا محالة يشتد الشوق إلى الأمر حتى يبلغ الإرادة الحتمية، فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب و ذلك بتوجيه الأمر نحوه (١).
هذا حال كل مأمور به، و من جملته (مقدمة الواجب)، فإنه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بد أن نفرض حصول الشوق أولا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلف، غاية الأمر: أن هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدمة و منبثق منه، لأن المختار إذا اشتاق إلى تحصيل شيء و أحبه اشتاق و أحب بالتبع كل ما يتوقف عليه ذلك الشيء على نحو الملازمة بين الشوقين. و إذا لم يكن هناك مانع من الأمر بالمقدمات حصلت لدى الآمر- ثانيا- الإرادة الحتمية التي تتعلق بالأمر بها فيصدر حينئذ الأمر.
إذا عرفت ذلك، فإنك تعرف أنه إذا فرض أن المقدمة متقدمة بالوجود الزماني على ذيها على وجه لا يحصل ذوها في ظرفه و زمانه إلا إذا حصلت هي قبل حلول زمانه، كما في أمثلة المقدمات المفوتة، فإنه لا شك في: أن الآمر يشتاقها أن تحصل في ذلك الزمان المتقدم، و هذا الشوق بالنسبة إلى المقدمة يتحول إلى الإرادة الحتمية بالأمر، إذ لا مانع من البعث نحوها حينئذ، و المفروض: أن وقتها قد حان فعلا فلا بد أن يأمر بها فعلا. أما ذو المقدمة فحسب الفرض لا يمكن البعث نحوه و الأمر به قبل وقته لعدم حصول ظرفه، فلا أمر قبل الوقت، و إن كان الشوق إلى الأمر به حاصل حينئذ و لكن لا يبلغ مبلغ الفعلية لوجود المانع (٢).
و الحاصل: أن الشوق إلى ذي المقدمة و الشوق إلى المقدمة حاصلان قبل وقت ذي المقدمة، و الشوق الثّاني منبعث و منبثق من الشوق الأوّل، و لكن الشوق إلى المقدمة يؤثر أثره و يصير إرادة حتمية لعدم وجود ما يمنع من الأمر، دون الشوق إلى ذي المقدمة لوجود المانع من الأمر.
و على هذا، فتجب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها و لا محذور فيه، بل هو أمر
(١) و هذا ما يعبر عنه بالإرادة التشريعية.
(٢) لأنّه لم يحل وقته.