المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٩ - توضيح و تعقيب
الشرعية. فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر و لم يكن إدراكه مستندا إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فإنه- أعني: العقل- لا سبيل له إلى الحكم بأن هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل أن هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل، أو أن هناك مانعا يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل و إن كان ما أدركه مقتضيا لحكم الشارع.
و لأجل هذا نقول: إنه ليس كل ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل، و إلى هذا يرمي قول إمامنا الصادق (عليه السلام): «إن دين الله لا يصاب بالعقل»، و لأجل هذا أيضا: نحن لا نعتبر القياس و الاستحسان من الأدلة الشرعية على الأحكام (١).
و على هذا التقدير، فإن كان ما أنكره صاحب الفصول و الأخباريون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقلية؛ التي هي ليست من المستقلات العقلية التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء، فإن إنكارهم في محله و هم على حق فيه لا نزاع لنا معهم فيه. و لكن هذا أمر أجنبي عن الملازمة المبحوث عنها في المستقلات العقلية.
و إن كان ما أنكروه هي مطلق الملازمة حتى في المستقلات العقلية- كما قد يظهر في بعض تعبيراتهم- فهم ليسوا على حق فيما أنكروا، و لا مستند لهم.
و على هذا: فيمكن التصالح بين الطرفين بتوجيه كلام الأخباريين و صاحب الفصول بما يتفق و ما أوضحناه، و لعله لا يأباه بعض كلامهم.
(١) لأن ملاكات الأحكام الشرعية توقيفية لا مسرح للعقل فيها، و لذلك قلنا ببطلان القياس، إلا إذا ثبت من الشارع، كما في منصوص العلة، فإنّه قال: الخمر حرام لأنّه مسكر.