المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٤ - ٧- تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده (١)
و الحق: أن أصالة العموم جارية و لا مانع منها، لأنا ننكر أن يكون عود الضمير إلى بعض أفراد العام موجبا لصرف ظهور العموم، إذ لا يلزم من تعين البعض من جهة مرجعية الضمير بقرينة أن يتعين إرادة البعض من جهة حكم العام الثّابت له بنفسه؛ لأن الحكم في الجملة المشتملة على الضمير غير الحكم في الجملة المشتملة على العام، و لا علاقة بينهما، فلا يكون عود الضمير على بعض العام من القرائن التي
التربص على جميع المطلقات [١].
إذا: أصل المراد في المورد معلوم و هو خصوص الرّجعيات، و إنما الشك في كيفية الاستعمال في الضمير هل على نحو المجاز أو على الحقيقة؟ و مع معلومية المراد و الشك في كيفية الاستعمال لا يجوز التمسك بالأصول اللفظية. و إنما يجوز بالتمسك بالأصول اللفظية عند العقلاء إذا شك في أصل المراد، فعند ما نشك من جانب العام أن المراد به العموم أو الخصوص: نجري الأصل اللفظي و نتمسك بالعام. و أما إذا علم المراد و شك في كيفية الاستعمال في جانب الضمير، فالعقلاء لا يجرون أصالة الحقيقة في الكلمة. (بمعنى: أن نرجع الضمير إلى خصوص الرجعيات و لكن المرجع يبقى عاما و هذا ما نسميه مجاز في الكلمة أي: في الضمير) أو الإسناد، (فإن الإسناد الحقيقي يختص ببعض أفراد العام و هي الرجعيات، و الإسناد إلى الكل يكون توسعا). بل يجرون أصالة الظهور في العموم فيحكم بوجوب التربص على جميع المطلقات و لكن بشرط إذا لم يتصل ما يحتمل قرينيته، و هنا قد اتصل بالعام ما يحتمل قرينيته لأن الضمير يصح للقرينية، فالعقلاء لا يتمسكون بالعموم و لذا تجد الآخوند الخرساني صاحب الكفاية ملتفتا إلى هذه النكتة و لذا قال: «أصالة الظهور في العموم إنما تكون حجة مبني على عدم احتفاف العام بما يمنع ظهوره في العموم، كما إذا كان في الكلام ضمير راجع إلى العام صالح لأن يمنع انعقاد العموم له، فإن أصالة العموم حينئذ لا تجري فيه».
و إذا اكتشف الظهور في العام بضمير صالح عرفا للقرينية على عدم إرادة العموم من العام حكم عليه بالإجمال و عدم جريان أصالة العموم في العام، ففي هذه الصورة لا بدّ من تشخيص الوظيفة الظاهرية من الرجوع إلى الأصول العملية، فإذا صارت الْمُطَلَّقاتُ في الآية مجملة يعني: لا ندري ما المراد منها هل المراد منها خصوص الرّجعيات أو تشمل البائنات؟ و نتيجة لهذا: نشك هل العدة واجبة على الكل أو على خصوص الرّجعيات؟ الأصل العملي يقول: القدر المتيقن منه خصوص الرّجعيات و أما البائنات: فنشك فيها فنجري أصالة البراءة عن وجوب التربص ثلاثة قروء بالنسبة إليهن.
- قد يقال: يمكن إجراء أصالة الحقيقة في هذه الصورة بناء على كون حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد، بمعنى: عدم إناطتها بالظهور حتى لا ينعقد بسبب الاحتفاف بمحتمل القرينية، فمع الشك في إرادة المعنى الحقيقي تجري أصالة الحقيقة أيضا. إلا أن هذا القول مردود؛ و ذلك لأن أصالة الحقيقة لا يجريها العقلاء في صورة احتفاف و اكتناف العام ما يصح للقرينية.
[١] المصدر السابق