المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥١٢ - تحرير محل النزاع
واحد؛ لأن الأحكام الخمسة متضادة و متنافية كما تم توضيحه في المقدمة الأولى.
أدلة جواز اجتماع الأمر و النهي: هنا نطرح أولا دليلا منسوبا لصاحب القوانين و يرد عليه صاحب الكفاية في كفايته.
الدليل هو: «أن الأحكام متعلقة بالطبائع المقيدة بالوجود؛ بنحو يكون التقيد داخلا و القيد خارجا، إذ بدون التقيد بالوجود لا تصلح الطبائع لأن تتعلق بها الأحكام، إذ ليست الماهيات من حيث هي منشأ للآثار التي منها الأحكام الشرعية، لوضوح: عدم قيام المصالح و المفاسد بها، بل باعتبار وجودها، فحينئذ لا تتحد الطبيعتان المتعلقتان للأمر و النهي، إذ المفروض: عدم كون الوجود جزء للمتعلقين حتى يتحدا بسبب الوجود كي يلزم اجتماع الضدين المستحيل، بل المتعلقان متعددان في مقام الجعل، فلا يلزم إشكال اجتماع المصلحة و المفسدة، و كذا الإرادة و الكراهة و البعث و الزجر. و كذا في مقام الامتثال و العصيان؛ إذا المفروض: تعدد متعلقي الأمر و النهي و عدم وحدتهما، فموضوع الأمر غير موضوع النهي، و لذا يمتثل الأمر بإيجاد متعلقه، و يتحقق العصيان بمخالفة النهي، فلا يجتمع الحكمان في واحد في شيء من المقامين» [١].
- و بعبارة أوضح نقول: صاحب القوانين يرى أن الأحكام تتعلق بالطبائع لا بالأفراد، و لكن هل تتعلق بالطبيعة من حيث هي هي مع قطع النظر عن الوجود أو بقيد الوجود؟ قال (قدس سره): لا يمكن أن تتعلق الأحكام بالطبيعة من حيث هي هي، أي: الصلاة من حيث هي صلاة لا يمكن أن تتعلق بها الأحكام كما أوضحناه أعلاه. إذا: الأحكام تتعلق بالطبيعة إذا لحظناها مقيدة بالوجود و لكن نلاحظ الوجود على نحو دخول التقيد و خروج القيد مثل: الوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فإن الصلاة مقيدة بالوضوء، و لكن الوضوء خارج عن الصلاة. إذا: الداخل في الصلاة هو التقيد بالوضوء يعني: الوضوء جزء من الصلاة، أي: تقيد الصلاة بالوضوء، و أما نفس القيد (و هو نفس الوضوء) خارج، و لذلك سمي الوضوء شرطا.
و هنا كذلك: فإن طبيعة الصلاة يتعلق بها الطلب، و لكن بقيد الوجود. إذا: نلاحظ الطبيعة مقيدة بالوجود، و لكن نأخذ الوجود خارجا من متعلق الطلب، و الذي يكون داخلا تحت متعلق الطلب هو الصلاة مع التقيد، و أما القيد (الوجود) فهو خارج. ففي المثال: «الصلاة في الأرض المغصوبة» يجوز اجتماع الأمر و النهي لأن متعلق الأمر هي طبيعة الصلاة و متعلق النهي هي طبيعة الغصب، و بما أن وجود هذه الطبيعة «الصلاة»، و تلك الطبيعة «لا تغصب» وجود واحد جاز اجتماع الأمر و النهي في الوجود؛ إلا أن الوجود خارج عن متعلق الطلب. إذا: متعلق الأمر و النهي بالطبيعة المقيدة بالوجود، و لكن الوجود خارج عن الطلب، فإذا نظرت إلى مقام تعلق الأمر و النهي فاجتماع لا يوجد، و عليه:
فإن المتعلقين بما هما متعلقان للأمر و النهي و إن كانا متحدين في الوجود الذي هو خارج عن المتعلقين بما هما متعلقان للأمر و النهي، فمتعلق الأمر و النهي متعدد، و اتحادهما يكون بحسب الوجود الذي هو خارج عن المتعلقين و عارض عليهما. و كذلك إذا ذهبت إلى مقام الامتثال لا يوجد اجتماع في شيء
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٩٥- ٩٦.