المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠٠ - ٣- الأصلي و التبعي
يكون الواجب واجبا مطلقا، فيكون الواجب فعليا قبل حصول الشرط، فيجب عليه تحصيل مقدمات المأمور به إذا علم بحصول الشرط فيما بعد.
و هذا النزاع هو النزاع المعروف بين المتأخرين في رجوع القيد في الجملة الشرطية إلى الهيئة أو المادة. و سيجيء تحقيق الحال في موضعه إن شاء الله تعالى (١).
٣- الأصلي و التبعي
(الواجب الأصلي): ما قصدت إفادة وجوبه مستقلا بالكلام، كوجوبي الصلاة و الوضوء المستفادين من قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ و قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.
و (الواجب التبعي): ما لم تقصد إفادة وجوبه، بل كان من توابع ما قصدت
(١) يشكل صاحب الكفاية على صاحب الفصول على تقسيمه الواجب إلى المنجز و المعلّق.
و حاصله: هو أن المعلّق و المنجز كلاهما من الواجب المطلق المقابل للمشروط، و مقتضى إطلاق الوجوب و فعليّته: إطلاق وجوب المقدمة و فعليّته، فهذا التقسيم لغو بالنسبة إلى وجوب المقدمة، لوجوبها فعلا على التقديرين، حيث أنّ مناط وجوبها- و هو إطلاق وجوب ذي المقدمة- موجود في كل من المنجّز و المعلّق، فلا أثر لهذا التقسيم بالنسبة إلى وجوب المقدمة أصلا.
و قد يرد أيضا إشكال كما عن صاحب الكفاية في كفايته: من أنه ربما حكي عن بعض أهل النظر، و يقصد به المحقق النهاوندي على ما في حاشية المحقق المشكيني (قدس سرهما)؛ و وافقه جماعة من الأكابر، و حاصل هذا الإشكال الذي هو أحد إشكالات الواجب المعلق: أن الإرادة التشريعيّة كالإرادة التكوينية في كونهما مشتركتين فيما تتوقف عليه الإرادة من العلم، و التصديق بالغاية، و الميل، و فيما يترتب على الإرادة من تحريك العضلات، و حصول الفعل بعده. و من المعلوم: إن المراد التكويني لا ينفك عن زمان التحريك الذي لا ينفك عن زمان الإرادة، و لا بدّ أن يكون المراد التشريعي كذلك، فلا ينفك عن زمان الأمر الذي لا ينفك عن زمان الإرادة التشريعية، و الواجب المعلّق ليس كذلك، لكون المراد فيه متأخرا زمانا عن الإرادة، لأنّ المفروض: استقبالية الواجب، فيكون من قبيل تخلف المعلول عن العلة.
يدفع صاحب هذا الإشكال قائلا: أن الإرادة كما تتعلق بأمر حاليّ، كذلك تتعلق بأمر استقبالي إذا كان المراد بعيد المسافة، و ذا مقدمات كثيرة محتاجة إلى زمان مديد، فإنّ إتعاب النفس في تحصيلها ليس إلا لأجل تعلّق إرادته بما لا يحصل إلا بها، فإنّ السفر المحتاج إلى المقدمات إنّما هو للوصول إلى المراد- و هو تحصيل المال مثلا- مع انفكاكه عن الإرادة.
و بالجملة: فإرادتنا التكوينية تنفك عن مراداتنا المنوطة بتمهيد مقدمات و مضيّ زمان [١].
[١] راجع: منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٢، ص ١٩٢.