المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠٢ - ٤- التخييري و التعييني
فيكون البعث نحوها جميعا على نحو التخيير بينها.
و كلا القسمين واقعان في إراداتنا نحن أيضا، فلا وجه للإشكال في إمكان الواجب التخييري، و لا موجب لإطالة الكلام (١).
ثم أن أطراف الواجب التخييري إن كان بينهما جامع يمكن التعبير عنه بلفظ واحد، فإن يمكن أن يكون البعث في مقام الطلب نحو هذا الجامع. فإذا وقع الطلب كذلك فإن التخيير حينئذ بين الأطراف يسمى (عقليا)، و هو ليس من الواجب التخييري المبحوث عنه، فإن هذا يعد من الواجب التعييني، فإن كل واجب تعييني كلي- يكون المكلف مخيرا عقلا بين أفراده، و التخيير يسمى حينئذ عقليا. مثاله قول الأستاذ لتلميذه: «اشتر قلما» الجامع بين أنواع الأقلام من قلم الحبر و قلم الرصاص و غيرهما، فإن التخيير بين هذه الأنواع يكون عقليا، كما أن التخيير بين أفراد كل نوع يكون عقليا، أيضا. و إن لم يكن هناك جامع مثل ذلك- كما في مثال خصال الكفارة- فإن البعث إما أن يكون نحو عنوان انتزاعي كعنوان (أحد هذه الأمور) (٢)، أو نحو كل واحد منها مستقلا و لكن مع العطف ب (أو) و نحوها مما يدل على التخيير. فيقال في النحو الأوّل مثلا: أوجد أحد هذه الأمور. و يقال في النحو الثّاني مثلا: صم أو أطعم أو أعتق. و يسمى حينئذ التخيير بين الأطراف (شرعيا)، و هو المقصود من التخيير المقابل للتعيين هنا.
ثم هذا التخييري الشرعي (تارة): يكون بين المتباينين كالمثال المتقدم، و (أخرى):
بين الأقل و الأكثر كالتخيير بين تسبيحة واحدة و ثلاث تسبيحات في ثلاثية الصلاة اليومية و رباعيتها على قول. و كما لو أمر المولى برسم خط مستقيم- مثلا- مخيرا فيه بين القصير و الطويل.
و هذا الأخير- أعني التخيير بين الأقل و الأكثر- إنما يتصور فيما إذا كان الغرض مترتبا على الأقل بحده، و يترتب على الأكثر بحده (٣) أيضا، أما لو كان الغرض مترتبا على الأقل مطلقا و إن وقع في ضمن الأكبر: فالواجب حينئذ هو الأقل فقط،
(١) التخييري و التعييني:
حيث أن القسمين من التخييري و التعييني واقعان في إرادتنا، أي: في حياتنا العملية. فإن الإنسان تارة يطلب من أخيه طلبا تعيينا، و تارة يقع غرضه على نحو الطلب التخييري.
(٢) في مقابل العنوان الحقيقي و هو الواجب التعييني.
(٣) أي: بشرط عدم الزيادة.