المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٤ - استعمال اللفظ في أكثر من معنى (١)
بسبب إلغاء قيد الوحدة حينئذ، و العلاقة المجوزة للاستعمال هنا هي علاقة الكل و الجزء، فالمفرد وضع للمعنى بقيد الوحدة، و هذا هو الكل، أي: المعنى الموضوع له اللفظ مركب من جزءين هما:
١- المعنى.
٢- تقيده بالوحدة.
فعند ما يستعمل المفرد في أكثر من معنى، فقد استعمل في جزء المعنى دون جزئه الآخر و هو تقيده بالوحدة.
و هذا بخلاف المثنى و الجمع، فإنهما عنده بمنزلة تكرار اللفظ الواحد، و لا مانع من استعمال أحد اللفظين أو الألفاظ في معنى أو معاني غير ما استعمل فيه اللفظ و الآخر أو الألفاظ الأخرى.
فيكون استعمال المثنى و الجمع في أكثر من معنى على نحو الحقيقة؛ لأن قولي: «جئني بعينين» في قوة قولي: «جئني بعين و بعين»، و لا شك: في جواز استعمال اللفظ الأول على نحو الحقيقة في معنى غير المعنى الذي استعمل فيه اللفظ الثاني، و كذا قولي: «جئني بعيون» فإنه في قوة قولي: «جئني بعين، و بعين، و بعين».
جواب دليل صاحب المعالم: بوجهين: الوجه الأول: أنا نمنع اعتبار قيد الوحدة في المعنى الموضوع له اللفظ، بل الألفاظ موضوعه لذوات المعاني بلا قيد الوحدة و ملاحظتها، فالدعوى بلا دليل.
الوجه الثاني: لو سلمنا اعتبار قيد الوحدة في المعنى الموضوع له اللفظ، و لكن نمنع من جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى و لو مجازا، و ذلك لعدم تحقق علاقة المجاز، و ما زعمه من تحقق علقة الكل و الجزء فاسد؛ و ذلك لأن استعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس استعمالا في جزء المعنى، بل هو استعمال اللفظ فيما باين المعنى الحقيقي، و ذلك لوضوح مباينة المشروط بشيء للمشروط بلا. فالمعنى الحقيقي هو المشروط بشيء و هو الوحدة، و ما أريد استعمال اللفظ فيه- و هو الأكثر من معنى- مشروط بلا أي: بعدم الوحدة، و من الواضح: تباين المشروط بشيء للمشروط بلا، فيكف ادعى أن بينهما علاقة الكل و الجزء؟ هذا في المفرد.
و أما المثنى و الجمع: فنمنع من جواز استعمالهما في أكثر من معنى على نحو الحقيقة، و ذلك لأن الظاهر من المثنى و الجمع هو تكرار ما أريد في المفرد من معنى، لا تكرار اللفظ كما ادّعاه هو، أي:
عند ما يقال: «جئني بعينين» الظاهر منها هو: «جئني بعينين نابعتين أو ناظرتين» ... إلخ. لا إنه يريد بأحدهما النابعة و بالأخرى الناظرة، بل يريد معنى و حقيقة واحدة، و لكن فردان من تلك الحقيقة.
- فإن قلت: يلزم مثل ذلك في تثنية الأعلام و جمعها، فإذا قلت: «جئني بزيدين أو زيود» يلزم أن يراد:
جئني بفردين من معنى و حقيقة واحدة أو جئني بأفراد من معنى واحد، فيلزم عدم جواز تثنية الأعلام و جمعها لهذا المحذور، مع وضوح جوازهما، و هذا دليل على أن المراد من المثنى و الجمع هو طلب فردين مختلفين في المعنى و الحقيقة، أو أفراد كذلك.
- قلت: نعم يلزم من تثنية الأعلام و جمعها ذلك، إلّا أنه يمكن تأويلها بمعنى واحد قابل للتعدد و هو المسمى «بزيد مثلا»، فعند ما أقول: «جئني بزيدين» فالمراد: «جئني بفردين من المسمى بزيد» لا بمعنيين متباينين، ليدل على جواز الاستعمال في أكثر من معنى.