المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٥ - الصحيح و الأعم (١)
«الصلاة» هنا في الفاسدة، و ذلك لأن النهي هنا إرشاد إلى مانعية الحيض من صحة «الصلاة»، و الحيض لا يكون مانعا إلا عن «الصلاة» الصحيحة دون الفاسدة، فهو كالنهي عن «الصلاة» في النجس، لا يدل على حرمة «الصلاة» على الحائض ليقال بإطلاق اللفظ على الفاسد، بل هو إرشاد إلى فسادها لوجود المانع من الصحة، و إرشاد إلى عدم قدرتها على إتيان «الصلاة» صحيحة.
- و الذي يدل على إرشادية النهي هو: استلزام المحذور من ادعاء المولوية، و هو حرمة «الصلاة على الحائض» تحريما ذاتيا، بمعنى: أنه و إن لم تقصد القربة يحرم عليها لاستلزامه التشريع المحرم، بل ذات «الصلاة» بجميع ما يعتبر منها من أركان و شرائط محرمة على الحائض و إن لم تقصد القربة، و يبعد أن يقول المستدل بالرواية بهذا النوع من الحرمة الذاتية.
الخامس: من الوجوه التي استدل بها على الوضع للأعم هو مسألة النذر- توضيح ذلك: مما لا شبهة و لا شك فيه هو صحة تعلق النذر و شبهة بترك «الصلاة» في المكان الذي تكره «الصلاة فيه» كالحمام، و أنه يحصل حنث النذر لو فعلها فيه، مع أنه لو كانت الألفاظ موضوعة لخصوص الصحيح للزم أحد محذورين:
١- المحال: و ذلك لأنه بعد تعلق النذر بترك «الصلاة» و هي (الصحيحة بناء على وضع الألفاظ لخصوص الصحيح كما هو الفرض) تكون «الصلاة» فاسدة حينئذ للنهي عنها بسبب النذر، و مع فساد «الصلاة» تخرج عن متعلق النذر الذي هو الصحيح، فإذا اتضح ذلك نقول: إذا: يلزم من وجود النذر عدمه، و ما يلزم من وجوده عدمه محال.
٢- عدم حصول الحنث بفعل «الصلاة» في المكان الذي تعلق النذر بتركها فيه- على تقدير صحة النذر- و ذلك لأن المنذور تركها هو «الصلاة» الصحيحة كما هو الفرض، و المأتي به في الخارج و في المكان الذي تكره فيه فاسد بسبب النذر، فلا يحصل حنث مع إنه مما لا شبهة في حصوله.
الجواب: إن الاستدلال السابق إن صح فإنه لا يقتضي الأعدام صحة تعليق النذر بالصحيح لا عدم وضع اللفظ شرعا له، أي: إنه لا يستفاد من الدليل أكثر من عدم صحة تعلق النذر بترك الصلاة الصحيحة في المكان الذي تكره فيه، لعدم القدرة على الإتيان بها صحيحة فيه، و لا يستفاد عدم صحة القول بوضع الألفاظ لخصوص الصحيح شرعا، لأنه يأتي ذلك حتى على القول بالوضع للأعم، مع قصد الناذر خصوص ترك الصحيحة، فالاستدلال آت هنا.
فإن قلت: أن الاستدلال السابق يفيدنا على الأقل أن المراد من «الصلاة المنذور تركها» هو الأعم من الصحيح و الفاسد، فإذا ثبت استعمالها في الأعم نقول: الأصل في الاستعمال الحقيقة.
قلنا: هذا مبني على حجية أصالة الحقيقة مع العلم بالمراد و الشك في كيفية الإرادة، مع أنه قد سبق إن العقلاء لا يجرونها إلا مع الشك في المراد، هذا فضلا على أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز.
الجواب الآخر على الاستدلال: أن النذر يصح تعلق بما كان صحيحا لو لا النذر، أي: يصح تعلق النذر بالصحيح و لو كان فاسدا بعد النذر. هنا «الصلاة في الحمام صحيحة» لو لا النذر، فصح تعلق النذر بتركها، فلو أتى بها حينئذ حصل الحنث فلا يصح الاستدلال بما سبق. نعم لو كان قصد النادر هو ترك «الصلاة» الصحيحة مطلقا حتى بعد النذر، أي: الصحيح فعلا، فحينئذ يمكن منع حصول