المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٣ - الصحيح و الأعم (١)
الألفاظ موضوعة للأعم و لكن هنا نقدّر الأخص و هو الصحيح. لقلنا: إن هذا التقدير خلاف الأصل.
الطائفة الثانية: ما نفي فيها الماهية لفقد شرط أو جزء ك «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فإن الظاهر عند الإطلاق أن النفي راجع للماهية أي: حقيقة «الصلاة» لا وصفها أي: الصحة، فدل ذلك على وضع «الصلاة» لخصوص الصحيح.
و أشكل على الاستدلال بالطائفتين: بما حاصله:- أن الاستدلال بهما مبني على ما لو حملنا الألفاظ على معانيها الحقيقة، و معلوم: إنه لا يمكن الحمل على المعنى الحقيقي إلا مع إحراز عدم القرينة على المجاز، و القرينة هنا موجودة و هي شيوع إرادة الصحيح في أمثال الطائفة الأولى، و شيوع إرادة نفي الصحة و الكمال في أمثال الطائفة الثانية، فهذه الشهرة تشكل قرينة مانعة عن إرادة الطبيعة الموضوع لها اللفظ.
و الجواب: أن حمل الأحاديث المثبتة على خصوص الصحيح، و الأحاديث النافية على إرادة نفي الصحة (نفي الوصف لا الماهية)، و الكمال هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر عند إطلاق اللفظ هو إرادة الطبيعية، و لا يخالف هذا الظاهر إلا مع نصب القرينة و هي منتفية، بل يمكن ادعاء إرادة نفي الماهية حتى في مثل حديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، مع الاتفاق على أن المراد هنا: هو نفي الكمال، و ذلك لأن نفي الماهية تارة: على نحو الحقيقة و تارة: على نحو المجاز للمبالغة، و الحديث الأخير على نحو المجاز، فالمنفي هو الماهية لا الصفة و إلا لما دلّ على المبالغة [١].
أدلة الوضع للأعم: الأوّل: التبادر، فيدعى تبادر الأعم عند إطلاقه ألفاظ العبادات.
الثّاني: عدم صحة السلب عن الفاسد، فإن الصلاة الفاسدة لا يصح سلب اسم الصلاة عنها فهي صلاة. فكونها فاسدة لا يسلب كونها صلاة.
الثّالث: صحة التقسيم إلى الصحيح و الفاسد بأن نقول: الصلاة إما صحيحة و إما فاسدة. و توضيح الاستدلال: أنه لو كان لفظ الصلاة موضوعا لخصوص الصحيح لبطلت القسمة السابقة؛ لأنها ستكون من باب تقسيم الشيء إلى نفسه و غيره، و لأنه لا تصح القسمة إلا إذا كان المقسم مشتملا على الأقسام و صادقا عليها.
و يشكل: بأنه لا تتوقف صحة القسمة على كون المقسم موضوعا لجميع الأقسام، بل تتوقف على أن يراد من استعمال المقسم جميع الأقسام و لو مجازا.
و بعبارة أخرى: أن الاستدلال بصحة القسمة متوقف على كون الأصل في الاستعمال الحقيقة، و الأصل لا يرجع إليه إلا مع وجود دليل على خلافه، و هنا أدلة الوضع للصحيح تخالف هذا الأصل، هذا فضلا على أن مختار المصنف هو أن أصالة الحقيقة في الاستعمال إنما تكون حجة مع الشك في
[١] المصادر: ١- تقريري لدروس الكفاية للشيخ باقر الإيرواني (بتصرف).
٢- الكفاية، ج ١، ص ١٣٦.
٣- منتهى الأصول، ج ١، ص ٨٥- ٨٨.