المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٢ - الصحيح و الأعم (١)
بالاشتغال.
و هنا اختلف العلماء و الفقهاء في تعيين الأصل الجاري في المسألة- و هي مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطين- أي: اللذين لا يمكن امتثال أحدهما من دون امتثال الآخر، في مقابل الاستقلاليين الذين يمكن فيهما ذلك.
و لدوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطين فقد اختلف العلماء. فقد ذهب الشّيخ الأنصاري (قدس سره) إلى أصل البراءة عن الزائد- و هو السورة أو الطمأنينة في المسألة السابقة- فإنه يشك في أن أجزاء «الصلاة» هل هي تسعة مثلا أو عشرة بإدخال السورة أو الطمأنينة. و قد ذهب المصنف إلى أصل الاشتغال عن الزائد في المسألة [١].
أدلة القول بالوضع للصحيح: الأول: التبادر، و ذلك لانسباق المعنى الصحيح من ألفاظ العبادات.
و يشكل: كيف يمكن ادعاء التبادر مع أنه تقدم في بحث تصوير الجامع: أن ألفاظ العبادات مجملة.
الجواب: إنه لا منافاة من كونها مجملة من وجه، و مبينة من وجوه ككونها موضوعة لما تنهى عن الفحشاء و المنكر «في الصلاة»، فإن هذا الوصف يتبين لنا الفرد الصحيح.
الثّاني: صحة سلب الاسم عن الفاسدة.
و صحة السلب لا يكون علامة على المجاز إلا إذا كان بملاحظة دقيقة لا مسامحية، لأنه يمكن إطلاق اسم «الصلاة» مثلا على الفاسد منها للإخلال بجزء أو شرط؛ و لكن إطلاقا مسامحيا للأنس بالمشابهة بالصورة الصحيحة، و لكن بالدقة يمكن أن يقال إنها ليست صلاة.
الثّالث: ادعاء أن طريقة الواضعين و ديدنهم جرت على وضع الألفاظ لخصوص المركبات التامة، لأن الحكمة الدّاعية إلى الوضع هي إفهام الأغراض، و هي مترتبة على خصوص التام، و الشارع لم يتعدّ هذه الطريقة.
فإن قيل: كيف يتم ذلك مع أن الحاجة قد تقتضي استعماله في الناقص؟
أجيب: بأن هذا الاستعمال لا يلزم أن يكون على وجه الحقيقة، بل على نحو المجاز و المسامحية، و ذلك تنزيلا للفاقد منزلة الواجد للتشابه في الصورة.
الرابع: استدل على الوضع للصحيح بطائفتين من الأخبار:
الطائفة الأولى: ما أثبت فيها بعض الخواص و الآثار للمسميات ك «الصلاة عمود الدين أو معراج المؤمن، و الصوم جنة من النار ... إلخ». و توضيح الاستدلال بهذه الطائفة: أنه لو كان المراد الأعم من الصحيح و الفاسد لصحّ ترتب هذه الآثار على الفاسد منها، و هذا خلاف الضرورة. و لو قلت: إن
[١] المصادر: ١- تقريراتي لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني لدروس الكفاية (بتصرف).
٢- منتهى الأصول، ج ١، ص ٨٩- ١٠٢.
٣- محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ١٣٤- ١٤٨.
٤- منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ١٠٣- ١٢٩.