المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٤٤ - ٣- خصائص الوجوب الغيري
بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذيها و إطاعة أمر ذيها. فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها.
و من هنا استشكلوا في عبادية بعض المقدمات كالطهارات الثّلاث (١). و سيأتي حله إن شاء الله تعالى.
٤- إن الوجوب الغيري تابع لوجوب ذي المقدمة إطلاقا و اشتراطا و فعلية و قوة،
(١) نقول في حل هذا الإشكال: بأن الطهارات الثّلاث عبادة في نفسها، و نص الدليل عليها لا إن الثّواب عليها بما هي مقدمة. و لذا قال صاحب الكفاية في كفايته (بتصرف): فالتحقيق أن يقال: أنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبة و عبادة، و غايات الطهارات الثلاث (الوضوء و الغسل و التيمم) إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات، فلا بدّ أن يؤتى بالطهارات الثلاث عبادة، و إن لم يؤت بالطهارات الثلاث على وجه العبادة فلم يؤت بما هو مقدّمة لصلاة. فقصد القربة فيها إنما هو لأجل كون الطهارات الثلاث في نفسها أمورا عبادية، و مستحبات نفسيّة، لا لكونها مطلوبات غيره. و بعبارة أخرى: بعد أن صارت الطهارات الثلاث في أنفسها عبادات، يندفع إشكال قصد القربة القائل: إذا كان الأمر الغيري بما هو لا إطاعة له، و لا قرب في موافقته، و لا مثوبة على امتثاله، فكيف حل بعض المقدمات كالطهارات الثلاث؟ حيث لا شبهة في حصول الإطاعة و القرب و المثوبة بموافقة أمر الطهارات الثلاث. هذا و مضافا إلى إن الأمر الغيري لا شبهة في كونه توصليا أي الغرض منه هو:
التوصّل إلى ذي المقدمة، و عليه: لا يعتبر منه قصد القربة، مع إنّه لا شبهة عندهم عدم صحة الطهارات الثلاث إلا بقصد القربة. إذا: لا مورد لهذا الإشكال على الطهارات الثلاث بأنه كيف يترتّب عليها القرب و الثواب مع كون أوامرها غيرية؟ قلنا: إن المقدمة (الطهارات الثلاث) هي بنفسها أمر نفسي استحبابي. فالمقدمة و هي الطهارة عبادة، و الثواب مترتب على أمرها النفسي الاستحبابي العبادي فلا إشكال ...
إلا أن صاحب منتهى الدراية في توضيح الكفاية قال: أشار الشيخ الآخوند إلى إشكال تعرّض له في التقريرات، و حاصله: أنه بناء على كون الطهارات مطلوبات نفسيّة عبادية، فلا بدّ من الإتيان بها عبادة من قصد أمرها النفسي و لو في ضمن الطلب الوجوبي الغيري. و هذا خلاف طريقة الفقهاء، لبنائهم على الاكتفاء بإتيان الطهارات بداعي أمرها الغيري، و عدم اعتبار قصد أمرها النفسي، و هذا كاشف عن كون عباديّتها بالأمر الغيري، فيعود المحذور، و هو: إنه كيف يصح التقرّب بالأمر الغيري التوصلي، و تصحيح العبادية به؟
و دفع هذا الإشكال: أن الاكتفاء بالأمر الغيري إنّما هو لأجل إنّه لا يدعو إلا إلى ما هو مقدّمة واقعا، و المفروض: أنّ المقدّمة بما هي مقدّمة من المطلوبات النفسيّة، فقصد الأمر الغيري قصد إجماليّ للأمر النفسي المتقدّم عليه رتبة، و هذا المقدار كاف في قصد الأمر النفسي الموجب للعبادية و المثوبة.
و بالجملة: فالأمر الغيري يتعلق بالعبادة، فقصده يوجب قصد الأمر النفسي العبادي ضمنا، و هو المصحّح للعباديّة، لا الأمر الغيري.