المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٦٢ - ١- دلالة الاقتضاء (١)
مثالها قوله: (صلى الله عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» فإن صدق الكلام يتوقف على تقدير الأحكام و الآثار الشرعية لتكون هي المنفية حقيقة لوجود
و مثال آخر: قوله (صلى الله عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام». هنا عند ما قال «لا ضرر» لا يريد أن ينفي حقيقة الضرر، ضرورة أن الضرر حاصل عند المسلمين. إذا: صحة الكلام تتوقف على إن المنفي ليس هو حقيقة الضر. و إنّما الضرر الحكمي أيّ حكم يلزم منه الضرر و العسر فهو ساقط.
و مثال آخر: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون و ما اضطروا إليه ...»، فإن صحة الحديث تتوقف على تقدير مرفوع، و ذلك لأن المرفوع الظاهر من الحديث غير قابل للرفع، فمثلا حينما قال: رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ...
فإن ظاهر هذه الفقرة: هو رفع الشيء المضطر إليه، و الشيء المضطر إليه غير قابل للرفع، لأنه أمر تكويني ثابت وجدانا. فمثلا: حينما يضطر شخص لشرب الخمر. فليس للشارع أن يرفع هذا الشرب الثّابت وجدانا، فلا بدّ لأجل تصحيح الرفع من تقدير مرفوع غير هذا الأمر الثّابت وجدانا غير القابل للرفع من الشارع بما هو شارع و هو الحكم، أي: الفقرة تدل على أن شرب المسكر اضطرارا لا تترتب عليه حرمة، و لا وجوب للحد، فهو في الحقيقة رفع الحكم بلسان رفع الموضوع أي: نفي الحرمة بلسان رفع الشرب المضطر إليه، أو قل في الحقيقة: إن الشارع لا يرفع الشرب المضطر إليه بوجوده الخارجي لأنه ثابت بالوجدان، و إنّما يرفع شرب الخمر المضطر إليه بوجوده التشريعي أي: يرفعه بما هو متعلق للحرمة و روح ذلك هو رفع الحكم.
و في فقرة: «ما لا يعلمون ...» نقول: إن كان المراد من اسم الموصول هو التكليف. فصحة الفقرة لا تتوقف على تقدير. نعم إذا قلنا: المراد من اسم الموصول هو الموضوع الخارجي حينئذ: لا بدّ من تقدير مرفوع باعتبار إن متعلق عدم العلم غير قابل للرفع لثبوته حقيقة و وجدانا. إذا: صحة الفقرة و صدقها تتوقف على تقدير مرفوع عقلا يصح رفعه، و هو الحكم، أي: لا حرمة لمن شرب الخمر، و هو غير عالم به.
و تارة: يكون التوقف شرعيا بحيث تكون صحة و صدق الكلام شرعا تتوقف على تقدير كلمة، أي:
أن الشارع يحكم بأن صحة الكلام تتوقف على هذه الدلالة. و مثاله قوله (عليه السلام): «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». نحن نعلم من الخارج بأن الأدلة الشرعية حكمت بصحة صلاة جار المسجد في غير المسجد. فإذا: لا يمكن أن نتمسّك بظاهر الحديث الذي ينفي ماهية الصلاة، بأن يقول: لا صلاة لجار المسجد إذا صلى في بيته الذي ظاهره الحكم ببطلان الصلاة. و هذا ينافي الأدلة الشرعية الحاكمة بصحة الصلاة لمن كان جارا للمسجد. إذا: صحة هذا الحديث شرعا تتوقف على تقدير كلمة محذوفة و هي كلمة «كاملة». إذا: لا يريد المتكلم أن ينفي ماهية الصلاة، و إنّما ينفي الكمال فقط، أي: لا صلاة كاملة.
و تارة: يكون التوقف بحسب اللغة بحيث لا يصح لغة إلا بالتقدير، أي: يتوقف الكلام لغة على هذه الدلالة، و مثاله: قول الشارع ... انظر الكتاب.