المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٨ - تحرير النزاع
و بعبارة رابعة أكثر وضوحا: أن العقل- لا شك- يحكم بوجوب مقدمة الواجب (أي: يدرك لزومها)؛ و لكن هل يحكم أيضا بأنها واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها؟
مسئولية تجاه قيود الواجب، إذ لا وجوب لكي يكون الإنسان ملزما عقلا بامتثاله و توفير كل ما له دخل في ذلك.
و أما مسئولية المكلف تجاه قيود الواجب سواء كانت شرعية أو عقلية قبل الوجوب فهي مرفوعة بحسب مقتضى القاعدة، إذ قبل الزوال لا وجوب للصلاة لكي يكون مسئولا من ناحيته عن توفير المقدمات للصلاة، و إذا ترك المقدمة قبل الزوال فلن يحدث وجوب عند الزوال ليبتلى بمخالفته لأنه سوف يصبح عند الزوال عاجزا عن الإتيان بالواجب، و كل تكليف مشروط بالقدرة، فلا ضير عليه في ترك إيجاد المقدمة قبل الزوال، و كل مقدمة يفوت الواجب بعدم المبادرة إلى الإتيان بها قبل زمان الوجوب، تسمى بالمقدمة المفوّتة، و بهذا صح أن القاعدة تقتضي عدم كون المكلف مسئولا عن المقدمات المفوتة.
ثم استدرك السيّد الشهيد الصدر (قدس سره) قائلا: و لكن قد يتفق أحيانا أن يكون للواجب دائما مقدمة مفوتة، على نحو لو لم يبادر المكلف إلى إيقاعها قبل الوقت لعجز عن الواجب في حينه. و مثال ذلك: الوقوف بعرفات الواجب على من يملك الزاد و الراحلة، فإن الواجب منوط بظهر اليوم التاسع من عرفة، و لكن لو لم يسافر المكلف قبل هذا الوقت، لما أدرك الواجب في حينه، و في مثل ذلك لا شك فقهيا في أن المكلف مسئول عن إيجاد المقدمة المفوتة قبل الوقت، و قد وقع البحث أصوليا في تفسير ذلك و تكييفه، و أنه كيف يكون المكلف مسئولا عن توفير المقدمات لامتثال وجوب غير موجود بعد.
٣- المقدمة العادية: إن للمقدمة العادية معنيين:
أحدهما: أن يكون التوقف بحسب العادة؛ بحيث يمكن تحقق ذي المقدمة من دون المقدمة، إلا أن العادة جرت على الإتيان به بواسطتها كعدم الخروج من البيت إلا بلبس الحذاء، و العادة اقتضت بعدم الخروج من المنزل إلا بلبس الحذاء. فهذه المقدمة و إن كانت راجعة إلى العقلية إلا إنّه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع. إذا: وجه عدم دخولها في محل النزاع هو: انتفاء المقدمية حينئذ حقيقة؛ إذ المفروض: عدم توقف الصعود على السطح على نصب السلم إلا بحسب العادة، لإمكان الصعود بالحبل أو غيره، كإمكان الوعظ و التدريس بغير المنبر مع جريان العادة على إلقائهما على المنبر، فالمقدمة العادية بهذا المعنى- مضافا إلى مغايرتها للمقدمة العقلية و عدم رجوعها إليها- ليست بمقدمة حقيقة، فهي خارجة عن حريم نزاع وجوب المقدمة موضوعا.
ثانيهما: ما يرجع إلى المقدمة العقلية، و توضيحه منوط بتقديم مقدمة، و هي أن الممتنع واقعا تارة: يكون امتناعه لأمر برهاني عقلي كالكون على السطح بدون طيّ المسافة، حيث أنّه مترتب على الطفرة التي قام البرهان على امتناعها. و أخرى: لأمر طبيعي عادي كطيران الإنسان، فإنّ امتناعه إنّما هو لعدم كون