المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٩ - تحرير النزاع
و على هذا البيان، فالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة.
الجسم الثقيل بطبعه قابلا للطيران إلا بقاسر خارجي من جناح، أو قوة خارقة للعادة، فإنّه ليس ممتنعا برهانا، لكنه بالقياس إلى عادم القاسر المزبور محال عقلا.
إذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم: أن المراد بالمقدمة العادية ما هو مقدمة لما يمتنع بدونها عادة؛ و إن لم يمتنع في نفسه عقلا كامتناع الصعود على السطح بدون نصب السلّم و غيره من أسباب الصعود، فإنّه محال عادة و إن كان في نفسه ممكنا عقلا، فوجوده بدون السبب محال عقلا. فلا محالة ترجع المقدمة العادية إلى العقلية، لكون توقف الصعود على السطح لغير القادر فعلا على الطيران عقليا، فالقدر المشترك بين السلّم و نحوه من المقدمات التي يترتب عليها الكون على السطح مقدمة عادية، لجريان العادة على إيجاد الواجب- و هو الصعود على السطح- بتلك المقدمات لفاقد القدرة على الطيران فعلا و إن كان قادرا عليه عقلا [١].
٤- مقدمة الوجود: و قد تم ذكرها في المقدمة الشرعية و هي: ما يتوقف عليها نفس الواجب كطيّ المسافة، فإنّه مما يتوقف عليه وجود مناسك الحج للنائي. و كذلك الطهارة بالنسبة إلى الصلاة.
٥- مقدمة الصحة: و هي ما يتوقف عليها صحة الشيء كصحته المتوقفة على شرائطه، كالطهارة و نحوها من الشروط بالنسبة إلى الصلاة فإنّها مما يتوقف عليها صحة الصلاة. ثم عقب صاحب الكفاية قائلا: لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود بناء على القول بأن الوضع للصحيح- و واضح: إن غير الصحيح ليس فردا للماهية المأمور بها حتى يكون وجودا لها- و أمّا بناء على الوضع للأعم من الصحيح و الفاسد؛ فلأنّ محل الكلام هو مقدمة الواجب لا مقدمة المسمى بالصلاة مثلا، فالفرد الفاسد و إن كان فردا للمسمى لكنه ليس فردا للواجب، لأنّ الواجب خصوص الصحيح، فكل ما يتوقف عليه صحة الواجب كالطهارة للصلاة يعدّ مقدمة وجودية للواجب، فمقدمة الصحة ترجع إلى مقدمة الوجود مطلقا و إن قلنا بوضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحيحة [٢].
٦- مقدمة الوجوب: و هي مما يتوقف عليه وجوب الواجب كالبلوغ و العقل من الشرائط العامة، و الاستطاعة للحج من الشرائط الخاصة، و الزوال بالنسبة إلى وجوب الصلاة فلا وجوب قبل الزوال، و يسمى الزوال بالمقدمة الوجوبية لأنه لا وجوب لصلاة إلا بالزوال، و هذا يسمى أيضا بالتكليف المشروط. هذا بلحاظ عالم المجعول لا الجعل إذ التكليف في عالم الجعل ثابت، و ليس معلقا و منوطا بالشرط فعلا، فالجعل يتحقق بنفس هذا الإنشاء. ثم عقب صاحب الكفاية على هذه المقدمة قائلا:
و لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع. و وجه خروجها عن محل النزاع: لعدم إمكان اتصاف مقدمة الوجوب بوجوب ذيها المشروط بنفس هذه المقدمة، كالاستطاعة التي هي شرط وجوب الحج، فإنها لا تتصف بهذا الوجوب المترتب عليها، لأن الاستطاعة من قبيل جزء العلة لوجوب الحج، فهي متقدمة على الوجوب تقدم العلة على المعلول، فلا يعقل ترشح الوجوب عن
[١] مزج بين متن الكفاية و الشرح في منتهى الدراية، ج ٢، ص ١٢٦- ١٢٧. (بتصرف).
[٢] مزج بين متن الكفاية و الشرح في منتهى الدراية، ج ٢، ص ١٢٦- ١٢٧. (بتصرف).