المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٨ - ٤- حجية العام المخصص في الباقي
و من قال بالمجاز: يستشكل في ظهور العام و حجيته في جميع الباقي من جهة: أن المفروض أن استعمال العام في تمام الباقي مجاز و استعماله في بعض الباقي مجاز آخر أيضا، فيقع النزاع في أن المجاز الأوّل (١) أقرب إلى الحقيقة، فيكون العام ظاهرا فيه، أو أن المجازين متساويان فلا ظهور في أحدهما. فإذا كان المجاز الأوّل هو الظاهر كان العام حجة في تمام الباقي، و إلا فلا يكون حجة.
أما نحن الذين نقول بأن العام المخصص حقيقة كما تقدم، ففي راحة من هذا النزاع، لأنا قلنا: إن أداة العموم باقية على ما لها من معنى الشمول لجميع أفراد مدخولها، فإذا خرج من مدخولها بعض الأفراد بالتخصيص بالمتصل أو المنفصل فلا تزال دلالتها على العموم باقية على حالها، و إنما مدخولها تتضيق دائرته بالتخصيص.
فحكم العام المخصص حكم العام غير المخصص في ظهوره في الشمول لكل ما يمكن أن يدخل فيه.
و على أي حال، بعد القول بأن العام المخصص حقيقة في الباقي- على ما بيناه- لا يبقى شك في حجيته في الباقي. و أيما يقع الشك على تقدير القول بالمجازية، فقد نقول: إنه حجة في الباقي على هذا التقدير (٢)، و قد لا نقول. لا أنه كل من يقول بالمجازية يقول بعدم الحجية، كما توهم ذلك بعضهم (٣).
فإذا قلنا: بأن العام حقيقة في تمام الباقي فلا مجال للبحث، أي: فلا إشكال في حجية العام في التسعين. و يتفرع عليه: أن كل فرد مشكوك، و كنا نعرف أنّه داخل في حكم العام يثبت له حكم العام. و إذا قلنا: بأن العام مجاز في تمام الباقي، و قلنا بعدم حجية العام في الباقي حينئذ يبقى الفرد المشكوك معلقا؛ يعني: لا يثبت له حكم العام فلا بدّ من دليل خاص، و إلا رجعنا إلى الأصول العملية لتحديد الوظيفة العملية لهذه الحالة.
(١) أي: استعمال العام في تمام الباقي.
(٢) أي: على تقدير القول بالمجازية.
(٣) هذه العبارة إشارة إلى ما توهمه بعض، حيث ذهب إلى أن كل من قال بأن العام حقيقة في تمام الباقي يلتزم بكونه حجة فيه، و كل من قال بأن العام مجاز في تمام الباقي يلتزم بعدم حجيته في تمام الباقي. المصنّف يقول: هذا التوهم فاسد، و ذلك لأنّه قد يلتزم بمجازية العام في تمام الباقي مع ذلك نلتزم بحجيته فيه كما إذا كان هو المجاز الظاهر فيه العام؛ لأنّه أقرب إلى الحقيقة.
فائدة: هذا البحث إنّما يتصور على القول بأن العام المخصص مجاز.