المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٢ - تحرير النزاع
مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الأصولية؟ و إذا اتضح ما تقدم في تحرير النزاع نستطيع أن نفهم أنه في أي قسم من أقسام المباحث الأصولية ينبغي أن تدخل هذه المسألة. و توضيح ذلك: أن هذه الملازمة- على تقدير القول بها- تكون على أنحاء ثلاثة: إما ملازمة غير بينة (١). أو بينة بالمعنى الأعم. أو بينة بالمعنى الأخص (٢).
فإن كانت هذه الملازمة- في نظر القائل بها- غير بينة أو بينة بالمعنى الأعم، فإثبات اللازم- و هو وجوب المقدمة شرعا- لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا بل إثباته إنما يتوقف على حجية هذا الحكم العقلي بالملازمة، و إذا تحققت هناك دلالة (٣) فهي من نوع دلالة الإشارة (٤) (٥)، و على هذا: فيجب أن تدخل المسألة في بحث
(١) ملازمة غير بينة: هي: ما لا يلزم من تصورها تصور الملزوم، و هو يقابل البين مطلقا أي: سواء كان بينا بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم، و بتعبير آخر: إن التصديق بالملازمة لا يكفي فيه تصور الطرفين و النسبة بينهما بل يحتاج في إثبات الملازمة: إلى إقامة الدليل عليه مثل: الحكم بأن المثلث زواياه تساوي قائمتين، فإن الجزم بهذه الملازمة يتوقف على البرهان الهندسي، و لا يكفي تصور زوايا المثلث و تصور القائمتين و تصور النسبة للحكم بالتساوي. و بالجملة: غير البين هو ما كان لزومه نظريا.
(٢) ملازمة بينة: و تنقسم إلى قسمين: بينة بالمعنى الأعم، و بينة بالمعنى الأخص. البينة بالمعنى الأعم:
هي ما يلزم من تصورها و تصور الملزوم و تصور النسبة بينهما الجزم بالملازم مثل: الاثنان نصف الأربعة أو ربع الثمانية، فإنك إذا تصورت الاثنين قد تغفل عن أنها نصف الأربعة أو ربع الثمانية، و لكن إذا تصورت أيضا الثمانية مثلا و تصورت النسبة بينهما تجزم أنها ربعها، و كذا إذا تصورت الأربعة و النسبة بينهما تجزم أنها نصفها، و من هذا الباب لزوم وجوب المقدمة لوجوب ذي المقدمة، فإنك إذا تصورت وجوب الصلاة و تصورت الوضوء تصورت النسبة بينه و بين الصلاة و هي توقف الصلاة الواجبة عليه و حكمت بالملازمة بين وجوب الصلاة و وجوب الوضوء. و يسمى بالبين بالمعنى الأعم لأنّه لا يفرق فيه بين أن يكون تصور الملزوم (الصلاة) كافيا في تصور اللازم (الوضوء) في انتقال الذهن إليه، و تسمى بالملازمة الذهنية (باعتبار أن تصور الملزوم كاف في تصور اللازم؛ لأنّ الذهن ألف الملازمة بين اللازم و بين الملزوم، فحينما يحضر في ذهنه صورة الصلاة يحضر الطرف الآخر و هو الوضوء)، و بين أن لا يكون كافيا بل لا بدّ من تصور اللازم و تصور النسبة لأجل الحكم بالملازمة.
(٣) أي: إذا تحقق دلالة اللفظ على الملازمة.
(٤) راجع دلالة الإشارة الجزء الأوّل ص ٢٦٦، فإنه ذكرنا هناك إن دلالة الإشارة ليست من الظواهر، فلا تدخل في حجية الظهور، و إنّما حجيتها- على تقديره- من باب الملازمة العقلية. (المصنّف).
(٥) و بالجملة: وجوب المقدمة لا يخلو إما أن يكون لازما غير بين أو لازما بينا بالمعنى الأعم، و على كليهما يكون الحاكم بالملازمة هو العقل و لا علاقة للفظ في ذلك، و أما إذا قلنا: بأن وجوب المقدمة لازم بين المعنى الأخص فحينئذ: يكون وجوب ذي المقدمة بنفسه ظاهرا في وجوب المقدمة. و لا