المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣١ - تحرير النزاع
الشرط المتأخر بأن يلاحظ المولى بالنسبة إلى المستحاضة أن الصوم بالنسبة لها له حصتان، صوم متقيّد بأن يقع الغسل بعده، و صوم غير متقيّد بأن يقع الغسل بعده، فيأمر بالحصة الأولى أي: يأمر بالصوم المتقيّد بالقيد المتأخر، حينئذ: يجب على المكلف أن يحقق الحصة المأمور بها. و هذا لا محذور فيه. هذا بلحاظ الشرط المتأخر في الواجب.
و أما بالنسبة إلى الشرط المتأخر للوجوب: أيضا التخلص منه واضح باعتبار التفرقة بين الجعل و المجعول و هي: أن الجعل يتوقف على افتراض الموضوع مع قيوده. إذا: الجعل دائما يجعل فيه الحكم في عالم الجعل على نهج القضية الحقيقية. و في عالم المجعول بمعنى: فعلية الحكم يتوقف على تحقق الموضوع خارجا بتمام قيوده، فإذا كان هذا الفرق بين الجعل و المجعول نقول: ما المانع من أن يفترض المولى في عالم الجعل موضوعا مقيدا بقيد متأخر و موضوعا مقيدا بقيد مقارن أو متقدم؟ فما دامت القضية ليست مبنية على تحقق الحكم خارجا فلما ذا نقول: إن الحكم تحققه خارجا لا يعقل.
قال صاحب الكفاية: و لا يخفى: أن المقدمة و بأقسامها من المتقدمة و المتأخرة و المقارنة داخلة في محل النزاع، لاشتراكها في المناط و هو التوقف و المقدّمية، هذا في شرائط المأمور به. فبناء على الملازمة يتصف اللاحق (الغسل) بالوجوب كالمقارن و السابق؛ إذ بدون الغسل المتأخر لا يكاد يحصل الموافقة، و يكون سقوط الأمر مراعى بإتيان الغسل فإن لم تأت به لم يصح الصوم. أي: لو لا اغتسال المستحاضة في الليلة اللاحقة- على القول بالاشتراط- لما صح الصوم في اليوم السّابق و الماضي.
إذا: الغسل في الليلة الآتية من الشرط المتأخر، و بدونه يبطل الصوم، لعدم انطباق المأمور به و هو الحصة الخاصة من طبيعة الصوم على فاقد الغسل.
١١- مقدمة داخلية: و المراد بها على حد تعبير صاحب الكفاية هي: الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها.
و بعبارة أخرى: أن المقدمة الداخلية هي التي تكون داخلة في ماهية المركب المتعلق به الطلب قيدا و تقييدا، و يعبّر عنها بالأجزاء كالقراءة و الركوع و السجود بالنسبة إلى الصلاة. و ربما يشكل على هذه المقدمة و حاصل هذا الإشكال هو: أنّ الأجزاء عين الكل، و لا مغايرة بينهما أصلا ليكون للأجزاء وجود غير وجود الكل حتى تجب الأجزاء غيريا و يجب الكل نفسيا، و ذلك لأنّ المركب ليس إلا نفس الأجزاء، و مع هذه العينية لا يتصور الاثنينية المقوّمة للمقدمية، فتنحصر المقدمة بالخارجية، و لا تتصور المقدمة الداخلية أصلا. و صاحب هذا الإشكال هو المحقق التقي الأصفهاني (قدس سره) في حاشية المعالم.
ثم عقب صاحب الكفاية قائلا: ثم لا يخفى أنّه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع (و هو وجوب المقدمة غيريّا ترشّحيا و عدمه)، و وجه خروج الأجزاء عن محل النزاع هو: كونها واجبة بالوجوب النفسي الضمني، لأنّها عين الكل الذي هو متعلق الوجوب النفسي المنبسط على الأجزاء، و مع هذا الوجوب النفسي كيف تتصف الأجزاء بالوجوب الغيري؟ كما صرح به سلطان العلماء على ما قيل.
مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الأصولية؟ هذا العنوان يفرض وجوده بعد الفراغ من أصولية هذه المسألة، و لذا لا وجه لعدّها من المسائل الفقهية؛ لأن المسألة الفقهية ما يكون موضوعها خاصا، كالصلاة و الصيام و الحج و أمثال ذلك و وجوب المقدّمة كما لا يخفى ليس من هذا القبيل، لأن عنوان المقدّمة المطروحة في المقام تحمل عنوانا عاما ينطبق على عناوين كثيرة و مختلفة الأبواب في الفقه، و ليست خاصة بباب دون باب في الفقه.