المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤١٨ - ١- الإجزاء في الأمارة مع انكشاف الخطأ يقينا
و أما في (الموضوعات): فالظاهر أن المعروف عندهم: أن الأمارة فيها قد أخذت على نحو (الطريقية)، كقاعدة اليد (١) و الصحة (٢) و سوق المسلمين (٣) و نحوها، فإن أصابت الواقع فذاك، و إن أخطأت فالواقع على حاله و لا تحدث بسببها مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع. غاية الأمر: أن المكلف معها معذور عند الخطأ و شأنها في ذلك شأن الأمارة في الأحكام.
و السر في حملها على (الطريقية) هو: أن الدليل الذي دل على حجية الأمارة في الأحكام هو نفسه دل على حجيتها في الموضوعات بلسان واحد في الجميع (٤)، لا
هي ترتفع من حين انكشاف النجاسة و حصول العلم بها الذي هو ما بعد الصلاة. هذا كله لو كان المستند لإحراز الطهارة هو قاعدة الطهارة، و أما لو كان المستند هو خبر الثقة فتجب الإعادة؛ لأن خبر الثقة لا يجعل طهارة ظاهرية جديدة مغايرة للطهارة الواقعية، حتى يلزم اتساع دائرة الشرطية إلى الطهارة الواقعية، و يحاول إيصالنا لها من دون أن يجعل الطهارة جديدة. هذا حاصل توجيه تفصيل العلمين و ينبغي لفت نظر القارئ إلى:
١- إن الإجزاء الذي قال به هذان العلمان لا يستند إلى ملازمة عقلية بين الحكم الظاهري و الإجزاء؛ بل إلى الاستظهار من دليل قاعدة الطهارة مثلا، فإن لسان «كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر» يفهم منه:
جعل طهارة جديدة بعنوان الطهارة الظاهرية، الذي يلزم منه: اتساع دائرة الشرطية و بالتالي الإجزاء.
٢- قد تقول: لما ذا يلزم- بعد استفادة جعل الطهارة الظاهرية من دليل قاعدة الطهارة- اتساع دائرة الشرطية إلى الطهارة الظاهرية؟ و ما هي نكتة التوسعة المذكورة؟
و الجواب: إذا لم تتسع دائرة الشرطية يلزم أن يكون جعل الطهارة الظاهرية لغوا و بلا فائدة، فلو لم تترتب عليها آثار الطهارة الواقعية التي منها صحة الصلاة فما فائدة جعلها و تشريعها [١].
(١) فإن وضع اليد على شيء ما دليل على ملكيته، فاليد صرف طريق إلى الواقع.
(٢) و مثاله: إذا شك المكلف في بيع بائع، فإنّه يجري أصل الصحة أي: صحة البيع، و أصل الصحة ما هو إلا صرف طريق إلى الواقع.
فائدة: موضوع جريان أصل الصحة هو الشّك في فعل المؤمن الذي له أثر شرعي.
(٣) و مثاله: إذا شك المكلف في تذكية لحم البقر، فالأصل عدم التذكية، و لكن باعتبارها في سوق المسلمين، حكمنا بتذكيتها لأنّ سوق المسلمين صرف طريق إلى الواقع إلا أنّها تارة تصيب الواقع، و تارة تخطئه.
(٤) فالدليل الذي دل على حجية الأمارة في الأحكام هو كونها صرف طريق إلى الواقع، و أيضا هو صرف طريق لتعيين الموضوع. فالأمارة في الأحكام كالأمارة في الموضوعات، غاية ما في الأمر: إذا أخطأت الأمارة في الأحكام فهو معذور، و كذلك في الموضوعات.
[١] راجع نفس المصدر السابق، ص ٤١٥- ٤١٧.