المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٩ - تحرير محل النزاع
المقدمة الأولى: إن الأحكام الخمسة متضادة فالوجوب لا يمكن أن يجتمع مع الحرمة، و الاستحباب لا يمكن أن يجتمع مع الكراهة و هكذا ... فإن بينها تضاد و تنافي، و لكن هذا التضاد و التنافي في مرحلة فعليتها فقط، لا في مرحلة إنشائيتها، فالآخوند (قدس سره) يقسم الحكم إلى إنشائي و فعلي. فالإنشاء مجرد تشريع و اعتبار فقط، و أما الحكم الفعلي أي: يصل الحكم إلى مرحلة الفعلية إلى مرحلة فيها تحريك في حالة الأمر، و يكون فيها زجر للمكلف في حالة النهي.
و التنافي بين الأحكام في مرحلة الإنشاء لا يوجد لأن الحكم الإنشائي هو مجرد اعتبار و الاعتبار سهل المئونة، فيمكن أن أجمع الوجوب و الحرمة في شيء واحد بالاعتبار، و يمكن أن أعتبر الليل و النهار في نفس الوقت و هكذا. فيمكن إذا للمولى «عزّ و جل» أن يعتبر وجوب الصلاة و يعتبرها في نفس الوقت حراما.
و عليه: التنافي إنما يكون في مرحلة الفعلية يعني: في مرحلة الزجر و التحريك، فلا يمكن للمولى أن يحركني نحو الصلاة و يزجرني عن الصلاة في نفس الوقت.
إذا: اتضح أن الأحكام الخمسة متضادة و متنافية لا بوجوداتها الإنشائية بل بوجوداتها الفعلية.
و لكن استحالة اجتماع الوجوب و الحرمة هل هو من باب التكليف بالمحال أو من باب التكليف المحال؟
ما هو الفرق بينهما؟ إذا فرض نفس التكليف غير ممكن يقال له: تكليف المحال.
مثلا: إذا قلت لإنسان: اذهب فإني كلفته بالذهاب ثم قلت له: اذهب و لا تذهب هذا غير ممكن، فلا يمكن أن تحصل في قلبي إرادتان متضادتان بالذهاب و عدمه. فإذا أردت للإنسان الذهاب لا يمكن أن لا أريد الذهاب. فهذا يسمى بأصل التكليف يكون محالا.
- و أمّا المراد من التكليف بالمحال و هو معناه: أنه يمكن أن تحصل الإرادة و لكن متعلقها غير مقدور، مثلا: أن تأمر زيد بأن يحمل مائة كيلو حديد و هو وزنه خمسين كيلو، فنفس الإرادة ممكنة و لكن متعلقها غير ممكن. هذا يسمى تكليف بالمحال أو يسمى التكليف بغير المقدور.
فالأشاعرة ذهبوا إلى هذا القول و إنما المستحيل عندهم هو التكليف المحال. و غير الأشاعرة قالوا: بأن التكليف بالمحال و المحال غير جائز. على كل حال قلنا: بأن بين الوجوب و الحرمة يوجد تضاد فمتى المولى أوجب الصلاة لا يمكن أن يحرمها، فهذا التكليف من باب التكليف المحال. لأن إذا كلفت المكلف بهذا الضد لا يمكن أن أكلفه بذاك الضد. فموردنا من هذا القبيل.
المقدمة الثانية: في هذه المقدمة نريد أن نبين بأن الأحكام هل تتعلق بالعناوين أو تتعلق بالمعنونات؟
يعني عند ما يقول الله «عزّ و جل» للمكلف: «صل» هل الوجوب يتعلق بمفهوم و عنوان و اسم الصلاة، أو يتعلق بالمصداق و المعنون يعني: الصلاة الخارجية؟
صاحب الكفاية (قدس سره) يرى أن الأحكام تتعلق بالمعنونات، لأن الذي يترتب عليه الآثار هي المعنونات الخارجية، فالذي ينهى عن الفحشاء و المنكر هي الصلاة الخارجية. إذا: الوجوب ينصب على الصلاة الخارجية، و لا ينصب على مفهوم الصلاة. إذا: الأحكام لا تتعلق بالعنوان سواء كان انتزاعيا أو غير انتزاعي.