المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٨ - تحرير محل النزاع
«سبحانه و تعالى». و مجرد اشتماله على المصلحة لا يجدي في مقربيته، لأنها مغلوبة بالمفسدة.
و بالجملة: فلا فرق في الحكم بالفساد بين العلم و بين الجهل التقصيري.
و الوجه الثاني: أعني: كون الجهل قصوريا و توضيحه: أن الفعل لما كان واجدا للمصلحة- لما عرفت من اعتبار وجود المناط في المتعلقين معا مطلقا حتى في ظرف الاجتماع و إلا كان أجنبيا عن مسألة اجتماع الأمر و النهي- كان صدوره على وجه حسن، لعدم كون الجهل العذري مانعا عن حسنه الصدوري، فلا مانع حينئذ من سقوط الغرض به، و من المعلوم: تبعية الأمر للغرض حدوثا و بقاء.
و الحاصل: إنه لا مانع من تمشي قصد القربة و سقوط الأمر في صورة الجهل العذري» [١].
و بعبارة أوضح في بيان الوجه الثاني: إنه إذا أتى بالصلاة في الأرض المغصوبة عن جهل قصوري فهل يسقط الامتثال أم لا؟ أي: هل يسقط الأمر أم لا؟
الجواب: لا مانع من تمشي قصد القربة و سقوط الأمر في هذه الصورة، فإذا صدرت الصلاة في الأرض المغصوبة في صورة الجهل القصوري بالحكم، و كان قاصدا التقرب بها إلى الله «عزّ و جل» يكون صدورها هذا حسنا و يصح التقرب بها فعلا، و يسقط الأمر بها لأن الصلاة أتي بها و هي مشتملة على الملاك بقصد القربة فتصح مقربيتها. الكلام هل يوجد امتثال أم لا؟ قلنا سابقا: مسألة الامتثال مرهونة بوجود الأمر فنحن نسأل هل يوجد أمر هنا أم لا؟
الجواب على السؤال مبني على إن الأحكام هل هي تابعة للملاك الأقوى واقعا أو تابعة للملاك الذي يؤثر و يوجب الحسن و القبح. و الملاك الذي يوجب القبح و الحسن هو المعلوم، فعند ما أضرب اليتيم مع العلم بحسن الضرب له فيكون الملاك معلوما لي بمعنى: أعلم بوجود المصلحة فيكون ضربي لليتيم حسنا. أما المصلحة الواقعية المجهولة عندي فلا تؤثر في الحسن بل المصلحة المعلومة هي التي تؤثر في الحسن.
- و أما إذا قلنا: أن الأحكام تابعة لملاك الأقوى واقعا، و الملاك الأقوى واقعا في موردنا هي المفسدة و نحن- بحسب الفرض- نقدم جانب النهي. فإذا قلنا أن الملاك واقعا هي المفسدة يعني: يوجد نهي، و لا يوجد أمر و إذا كان لا يوجد أمر امتثال لا يوجد باعتبار أن الامتثال فرع وجود الأمر.
إذا: إذا قلنا: إن الأحكام تابعة للملاك المؤثر في الحسن أو القبح أي: الملاك المعلوم. و الملاك المعلوم هنا المصلحة و أما المفسدة فهي مجهولة. فإذا كان الملاك المعلوم- و هي المصلحة- يعني أمر موجود فامتثال موجود. هذا إذا قلنا بأن الحكم تابع للملاك المعلوم.
- نرجع بعد ذكر هذه المقدمات إلى صلب الموضوع و ذلك برجوعنا إلى السؤال المطروح: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد أم لا؟
صاحب الكفاية في كفايته من القائلين بعدم الجواز ثم قال: و الاستدلال على هذا المدعى يتوقف على بيان أربع مقدمات، فإذا تمت هذه المقدمات فإن المدعى يثبت و يتضح بطلان أدلة سائر الأقوال في المسألة.
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٥٩- ٦١.