المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٧ - تمهيد
٣- أنه بعد فرض أن للأفعال حسنا و قبحا و أن العقل يدرك الحسن و القبح، يصح أن ننتقل إلى التساؤل: عما إذا كان العقل يحكم أيضا بالملازمة بين حكمه و حكم الشرع، بمعنى: أن العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عنده عقلا أن يحكم الشارع على طبق حكمه.
و هذه هي المسألة الأصولية المعبر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع، فأنكر الملازمة جملة من الأخباريين و بعض الأصوليين كصاحب الفصول.
٤- إنه بعد ثبوت الملازمة و حصول القطع بأن الشارع لا بد أن يحكم على طبق ما حكم به العقل فهل هذا القطع حجة شرعا؟
و مرجع هذا النزاع ثلاث نواح: (الأولى): في إمكان أن ينفي الشارع حجية هذا القطع و ينهى عن الأخذ به.
(الثّانية): بعد فرض إمكان نفي الشارع حجية القطع هل نهى عن الأخذ بحكم العقل و إن استلزم القطع كقول الإمام (عليه السلام): «إن دين الله لا يصاب بالعقول» على تقدير تفسيره بذلك؟ (١)
و النزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الأخباريين جلهم أو كلهم.
(الثّالثة): بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجية القطع هل معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل هو أمره و نهيه، أو أن حكمه معناه إدراكه و علمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه و هو شيء آخر غير أمره و نهيه؟، فإثبات أمره و نهيه يحتاج إلى دليل آخر و لا يكفي القطع بأن الشارع حكم بما حكم به العقل.
و على كل حال: فإن الكلام في هذه النواحي سيأتي في مباحث الحجة (المقصد الثّالث)، و هو النزاع في حجية العقل. و عليه: فنحن نتعرض هنا للمباحث الثّلاثة الأولى، و نترك المبحث الرّابع بنواحيه إلى المقصد الثّالث.
(١) «إن دين الله لا يصاب بالعقول»، و تفسير هذا الحديث هو: أن الشارع نهى عن الأخذ بالقطع العقلي كما هو عليه الأخباريون، و يختلف الأصوليون عنهم في تفسير قول الإمام (عليه السلام) بأن النهي الوارد في الحديث هو نهي عن الأخذ بالدليل الظني كالقياس الحنفي الباطل، و الاستحسان و غيره، و لا يستفاد منه النهي عن القطع العقلي.