المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢٣ - ٢- اعتبار الماهية عند الحكم عليها
الماهية غير الملاحظ معها الشيء و لا عدمه، لا الملاحظة بعدم لحاظ الشيء و عدمه، و إلا لكانت الماهية معتبرة في الجميع بشرط شيء فقط أي: بشرط اللحاظ و الاعتبار.
نعم هذه الاعتبارات هي المصححة لموضوعية الموضوع على الوجه اللازم الذي يقتضيه واقع الحكم، لا إنها مأخوذة قيدا فيه حتى تكون جميع القضايا ذهنية (١).
و لو كان الأمر كذلك لكان الحكم بالذاتيات أيضا قضية ذهنية؛ لأن اعتبار الماهية من حيث هي أيضا اعتبار ذهني (٢).
و مما يقرب ما قلناه من كون الاعتبار مصححا لموضوعية الموضوع لا مأخوذا فيه مع أنه لا بد منه عند الحكم بشيء، أن كل موضوع و محمول لا بد من تصوره في مقام الحمل و إلا لاستحال الحمل، و لكن هذه اللابديّة لا تجعل التصور قيدا للموضوع أو المحمول، و إنما التصور هو المصحح للحمل و بدونه لا يمكن الحمل.
و كذلك عند استعمال اللفظ في معناه، لا بد من تصور اللفظ و المعنى و لكن التصور ليس قيدا للفظ، و لا للمعنى، فليس اللفظ دالا بما هو متصور في الذهن و إن كانت دلالته في ظرف التصور، و لا المعنى مدلولا بما هو متصور، و إن كانت مدلوليته في ظرف تصوره. و يستحيل أن يكون التصور قيدا للفظ أو المعنى، و مع ذلك لا يصح الاستعمال بدونه، فالتصور مقوم للاستعمال لا للمستعمل فيه و لا للفظ. و كذلك هو مقوم للحمل و مصحح له، لا للمحمول و لا للمحمول عليه.
و على هذا: يتضح ما نحن بصدد بيانه، و هو إنه إذا أردنا أن نضع اللفظ للمعنى لا يعقل أن نقصر اللحاظ على ذات المعنى بما هو هو مع قطع النظر عن كل ما عداه، لأن الوضع من المحمولات الواردة عليه، فلا بد أن يلاحظ المعنى حينئذ مقيسا إلى ما هو خارج عن ذاته، فقد يؤخذ بشرط شيء و قد يؤخذ بشرط لا و قد يؤخذ لا بشرط. و لا يلزم أن يكون الموضوع له هو المعنى بما له من الاعتبار الذهني، بل
(١) أي: إن الموضوع لا يمكن الحكم عليه بشيء إلا بلحاظه و تصوره، و لا يعني هذا أن التصور يكون مقوما و جزء للموضوع حتى تكون جميع القضايا ذهنية.
و بعبارة أخرى نقول: المولى «سبحانه و تعالى» عند ما يريد أن يصب حكمه على الرقبة المؤمنة لا بدّ أن يلحظها بلحاظ الماهية بشرط شيء، و هكذا ... في بقية الاعتبارات.
(٢) هذا إيراد ثان من المصنّف على المستشكلين الذين استثنوا الماهية المهملة من الإشكال المتقدم بأنّه لا معنى لاستثنائها لو تم الإشكال.