المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٦٤ - ٢- ظهور الصيغة في الوجوب (٣)
لا اختلاف فيه. و استفادة الوجوب- على تقدير تجردها عن القرينة على إذن الآمر بالترك- إنما هو بحكم العقل كما قلنا، إذ هو من لوازم صدور الأمر من المولى.
و يشهد لما ذكرناه من كون المستعمل فيه واحدا في مورد الوجوب و الندب: ما جاء في كثير من الأحاديث من الجمع بين الواجبات و المندوبات بصيغة واحدة (١) و أمر واحد أو أسلوب واحد مع تعدد الأمر (٢). و لو كان الوجوب و الندب من قبيل المعنيين للصيغة لكان ذلك في الأغلب من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو مستحيل، أو تأويله بإرادة مطلق الطلب البعيد إرادته من مساق الأحاديث فإنه تجوز (٣)- على تقديره- لا شاهد له و لا يساعد عليه أسلوب الأحاديث الواردة (٤).
(١) و مثاله: اغتسل للجمعة و للجنابة.
(٢) و مثاله: اغتسل للجمعة، و اغتسل للجنابة.
(٣) لأن الصيغة موضوعة حقيقة للنسبة الإرسالية، و حينما تستعمل الصيغة في الجامع يكون استعمالا مجازيا.
(٤) قال فضيلة الشّيخ هادي آل الشّيخ راضي «حفظه الله» في شرح عبارة المصنّف «و لو كان الوجوب و الندب من قبيل المعنيين للصيغة ...» يقول المصنّف: إنه لو كان الوجوب و الندب معنيين للصيغة للزم استعمال الصيغة في أكثر من معنى و هو محال.
و بعبارة أخرى: لو فرضنا أن الصيغة لفظ مشترك بين معنيين (الوجوب و الندب)، و استعمل الشارع الصيغة في الوجوب و الندب، فسوف يلزم استعمال الصيغة في معنيين و هو محال، و مثال ذلك: ما لو قال الشارع: اغتسل للجمعة و للجنابة، فهنا عندنا صيغة واحدة قد استعملت في الندب و في الوجوب، و ذلك باعتبار إضافتها للجمعة تكون مستعملة في الندب، و باعتبار إضافتها للجنابة تكون مستعملة في الوجوب، فيلزم استعمالها في أكثر من معنى و هو محال. و هذا يدل على إن الوجوب و الندب ليسا معنيين للصيغة. و من هنا يمكن أن يستشكل على المصنّف بأن يقال: بأن هذا الدليل كما ينسجم مع رأيك كذلك ينسجم مع القائل بأن الصيغة موضوعة للأعم من الوجوب و الندب. و مجرّد أن يذكر اغتسل للجمعة و للجنابة هذا لا يدل على أن الوجوب خارج عن المعنى الموضوع له، أي: لا يدل على أن الوجوب حكم عقلي صرف لأنّه يمكننا أن نقول: إن الصيغة موضوعة للطلب الأعم من الطلب الوجوبي و الاستحبابي، فإذا قلنا بذلك صح أن يقال: اغتسل للجمعة و للجنابة، فاغتسل موضوعة للطلب، و مستعملة في الطلب فيكون من باب استعمال اللفظ في معنى واحد، و لا يلزم استعماله في أكثر من معنى، و حينئذ: لا يكون هذا شاهدا لخصوص قول المصنّف. و إلى هذا الكلام التفت المصنّف و قال: إرادة الطلب الجامع بين الوجوب و الاستحباب بعيد من هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث سياقها سياق إن المقصود ليس كلي الطلب، و إنّما المعنى الذي ينسجم مع الوجوب و الاستحباب هو معنى واحد، و هو عبارة عن النسبة الطلبية. غاية الأمر: أنه في بعض الموارد تقترن