المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٦ - تحرير محل النزاع
(صل) و (لا تغصب) أن الملاك موجود في كليهما. و إذا كان كلا الملاكين موجودا فإنه يدخل في باب التزاحم فيقدم الأهم على المهم ملاكا.
ثم استدرك صاحب الكفاية قائلا: نعم لو كان كل منهما بصدد بيان الحكم الفعلي لا الإنشائي بأن يقول لك «سبحانه و تعالى»: وظيفتك الفعلية الصلاة و لا تغصب: يكون من باب التعارض؛ لأنه لا يمكن أن تكون وظيفتك الفعلية في كليهما (صل، و لا تغصب). اللهم إلا إذا كان أحدهما أقوى ملاكا من الآخر؛ كأن تكون دلالة الحرمة (لا تغصب) أقوى ملاكا من دلالة (صل)، فيحمل دلالة (صل) على الحكم الإنشائي و دلالة (لا تغصب) على الوظيفة الفعلية لأقوائيتها، فيكون جمعا عرفيا فيرتفع التعارض.
فيحمل دلالته القوية على الحكم الفعلي، و يحمل صاحب الدلالة الضعيفة على الحكم الإنشائي فلا تعارض حينئذ.
الأمر التاسع: قلنا سابقا: يكون المورد من باب الاجتماع إذا كان كلا الملاكين موجودا، و قلنا في عالم الإثبات: أنه تكون معارضة بين الروايتين إذا: في أحدهما ملاك دون الآخر.
و قلنا في عالم الإثبات: أنه تكون مزاحمة ما بين الروايتين إذا: كلا الملاكين موجود.
أما ما هو الطريق لمعرفة أن كلا الملاكين موجود أو أن أحد الملاكين موجود أم لا؟
قال صاحب الكفاية: الطريق تارة يكون الإجماع على أن الصلاة في الأرض المغصوبة يوجد ملاك المصلحة، و كذلك يوجد ملاك المفسدة. فإذا كان هناك ما يدل على اشتمال كل واحدة من الطبيعة المأمور بها و المنهي عنها على مناط الحكم مطلقا- حتى في حال الاجتماع- فلا إشكال في دخوله في مسألة الاجتماع.
- و أما إذا لم توجد رواية أو إجماع و غيره ما هو الطريق البديل لمعرفة أن كلا الملاكين موجود؟
يوجد طريق واقعي و هو طريق إطلاق الدليل، فمن إطلاق (صل) نستكشف بأن الصلاة فيها مصلحة حتى مع الغصب. و من إطلاق (لا تغصب) نستكشف وجود المفسدة فيها. إذا: من إطلاق الدليلين يمكن أن نستكشف كلا الملاكين. و بهذا الطريق المهم الذي من أجله عقده صاحب الكفاية في كفايته. فإذا جاءنا دليلان أحدهما يقول: «صل» و الآخر: «لا تغصب» نطرح سؤالا هو: هل هنا في صدد بيان حكم إنشائي أو فعلي؟ فإذا افترضنا أنه «عزّ و جل» في صدد بيان حكم إنشائي بأن هذا الدليل الأوّل يبين الصلاة بوجوب إنشائي، و في لا تغصب وجود إنشائي بحرمة الغصب، ففي مثل هذه الحالة: نستطيع أن نستنتج وجود كلا الملاكين؛ لأنه إذا كان حكم إنشائي لا بدّ من وجود مصلحة، و كذلك في الدليل الثاني. فنستنتج من وجود الحكم الإنشائي وجود المصلحة و المفسدة.
- و أما إذا فرض أنه كان في بيان الحكم الفعلي هل يمكن أن يكون كلا الحكمين الفعليين موجودين أم لا؟ فإذا قلنا بالجواز أي: بفعلية كلا الحكمين (صل، و لا تغصب) بمعنى: توجد مصلحة في الصلاة و كذلك توجد مفسدة في الغصب.
و إذا قلنا بعدم الجواز بمعنى: لا يوجد أمر و نهي بالفعل إذا لا يمكن فعلية كلا الحكمين بل لا بدّ من فعلية أحد الحكمين فقط.