المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٠٥ - تحرير محل النزاع
مقام الثبوت و الواقع، و أخرى: في مقام الإثبات و الدلالة.
أمّا الأوّل: فبيانه: أن باب اجتماع الأمر و النهي يكون من صغريات التزاحم، فلا بدّ من اشتمال كل من المتعلقين على مناط الحكم مطلقا حتى في مورد الاجتماع ليحكم- بناء على الجواز- بكون المجمع كالصلاة في الدار المغصوبة محكوما فعلا بحكمين، و على الامتناع بكونه محكوما بما يقتضيه أقوى المناطين، و محكوما بحكم ثالث إن لم يكن أحد المناطين أقوى. فإن لم يكن المتعلقان واجدين للمناط في مورد الاجتماع بأن لم يكن شيء منهما ذا ملاك، أو كان المناط في أحدهما دون الآخر لم يكونا من صغريات مسألة اجتماع الأمر و النهي أصلا، فيكون مثل العالم الشاعر الذي هو مورد اجتماع الدليلين و هما «أكرم العلماء» و «لا تكرم الشعراء» أجنبيا عن مسألة الاجتماع، و مندرجا في باب التعارض» [١].
- و أمّا بحسب مقام الدلالة و الإثبات: فإذا جاءتنا روايتان دالتان على حكمين إحداهما: دالة على الوجوب «صل»، و الأخرى: تدل على الحرمة «لا تغصب» فهل يوجد تعارض بين الروايتين أم لا؟
جواب صاحب الكفاية على هذا السؤال هو ما يلي: في المقام يوجد عندنا حكمان تدل عليهما الروايتين، أحدهما: تجب الصلاة، و الأخرى: يحرم الغصب، و علم في الوقت نفسه بكذب أحد الحكمين أي: أن أحد الحكمين و الملاكين غير موجود؛ إلا إني لا أعلم به بعينه بأن أعلم إجمالا بكذب أحدهما تسمى هذه الحالة بالتعارض الناشئ من العلم الإجمالي.
- و مثال آخر: إذا جاءتنا روايتان دالتان على حكمين في زمان واحد إحداهما: دالة على الوجوب (الظهر)، و الأخرى: دالة على الوجوب أيضا (الجمعة)، ففي يوم الجمعة جاءنا دليل على وجوب صلاة الظهر، و من ثم جاءنا دليل آخر دال على وجوب صلاة الجمعة هنا تعارض بين الدليلين، و هذا التعارض ناشئ من علمنا الإجمالي بأن الله «عزّ و جل» لم يشرع عبادة في اليوم و الليلة أكثر من خمس صلوات واجبة. إذا: بهذا العلم الإجمالي نعلم بأن أحد الدليلين كاذب إما دليل صلاة الظهر أو دليل صلاة الجمعة.
و إلا لو قلنا بأن كلا الصلاتين (الظهر و الجمعة) واجبتان يلزم أن تكون هناك ست صلوات و هذا خلاف الفرض.
إذا: هذا التعارض يسمى تعارضا بالعرض أي: بسبب العلم الإجمالي و هنا كذلك إذا علمنا بأن أحد الملاكين موجود يعني: أن أحد الحكمين كاذب فيكون هنا تعارض، فنطبق قواعد التعارض و هو الترجيح بالأقوائية، فأيهم أقوى دلالة أو أقوى سندا تقدم. هذا كله إذا أحرزت أن أحد الملاكين موجود.
- و أمّا إذا لم تحرز فقدان أحد الملاكين بأن تعلم أن كلا الملاكين موجود أو أنك تشك بوجود كلا الملاكين، على كل حال: إذا لم تحرز فقدان أحد الملاكين فالأصل أن كلا الملاكين موجود، لأنه إذا علمت بأن كلا الملاكين موجود فهذا واضح، و أما إذا كنت شاكا فمقتضى إطلاق كلا الدليلين
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٤١.