المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١٤ - ٤- ما المطلوب في النهي (١)
اختص النهي في خلاف واحد، و هو أن المطلوب في النهي هل هو مجرد الترك أو كف النفس عن الفعل، و الفرق بينهما: أن المطلوب على القول الأوّل: أمر عدمي محض، و المطلوب على القول الثّاني: أمر وجودي، لأن الكف فعل من أفعال النفس.
و الحق هو القول الأوّل.
و منشأ القول الثّاني: توهم هذا القائل إن الترك- الذي معناه إبقاء عدم الفعل المنهي عنه على حاله- ليس بمقدور للمكلف، لأنه أزلي خارج عن القدرة، فلا يمكن
- و بعبارة أخرى: حينما يقال لك: لا تشرب الخمر هنا ما هو المطلوب منك؟ هل المطلوب منك الكف عن الشرب أم مطلوب منك ترك الشرب؟
- بعضهم قال: المطلوب الكف عن الشرب و لا يريد ترك الشرب؛ لأن ترك شرب الخمر أمر عدمي أي: أنه حاصل من الأول، أي: الترك حاصل من الأوّل. إذا: الترك أمر قديم فلا معنى أن يطلب الله «عزّ و جل» مني الترك لأنه تحصيل للحاصل و هو تكليف بغير المقدور.
إذا: لا بدّ من أن يكون تعلق النهي هو الكف الذي هو أمر وجودي.
- يرد صاحب الكفاية على هذا الإشكال قائلا: إن الترك ليس خارجا عن حيز القدرة و الاختيار كما ادعي، و إلا لم يكن الفعل مقدورا أيضا، لأن نسبة القدرة إلى الفعل و الترك نسبة واحدة، فمقدورية أحدهما تستلزم مقدورية الآخر، و لما كان الفعل مقدورا بالقدرة فالترك كذلك.
- و بعبارة أخرى: إن الترك أمر مقدور و الدليل على أن المكلف قادر على الترك: أنه قادر على الفعل أي: قادر على أن يشرب الخمر كما في المثال. و متى ما صدق على أنه قادر على الشرب لازمه أن يصدق أنه قادر على الترك، و إن القدرة على الفعل لا تصدق إلا إذا الترك كان مقدورا، و العكس صحيح، و إلا كيف يصدق أني قادر على الشرب من دون أن تكون لي القدرة على الترك.
- و لأجل حل الشبهة المذكورة- يقال: قلتم إن الترك أمر أزلي و حاصل من القديم فهو خارج عن القدرة.
- الجواب: أن الترك يكون خارج عن القدرة حدوثا لا بقاء و استمرارا يعني: بقاء الترك بيدي و اختياري و ليس خارج اختياري و قدرتي؛ بأن مثلا: يوجد ماء تحت يدي فترك الماء تحت قدرتي أستطيع أن أكسر هذا الترك بشرب الماء. إذا: الترك بقاء و استمرارا تحت القدرة لا خارج القدرة كما ادعي، و إذا قال الله «عزّ و جل»: «لا تشرب الخمر» إذا قلنا: أن النهي هو تعلق الطلب فيه مجرد الترك و أن لا يفعل، فالمقصود من الترك ليس أن تجد الترك من الأول حتى يرد الإشكال و هو أن الترك حاصل، و هذا النهي متعلق بالحاصل فيستحيل تحصيل الحاصل. بل المقصود من الترك البقاء و الاستمرار على الترك و هو مقدور عليه. لأن الاستمرارية أمر أزلي فيمكن للمكلف أن يستمر في الترك و يمكن له أن لا يستمر.