المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٣ - ١- حقيقة الوضع (١)
الزعم أن يشترك جميع البشر في هذه الدلالة، مع إن الفارسي مثلا لا يفهم الألفاظ العربية و لا غيرها من دون تعلم، و كذلك العكس في جميع اللغات. و هذا واضح.
و عليه، فليست دلالة الألفاظ على معانيها إلا بالجعل و التخصيص من واضع تلك الألفاظ لمعانيها. و لذا تدخل الدلالة اللفظية (١) هذه في الدلالة الوضعية (٢).
(١) كدلالة لفظ الأسد على الحيوان المفترس.
(٢) الدلالة الوضعية أحد أقسام الدلالة، و القسمان الآخران هما: الدلالة العقلية و الطبعية. و توضيح ذلك نقول: ما هو مفهوم الدلالة؟ و ما هي أقسامها؟
تعريف الدلالة: قال أهل المنطق: إذا سمعت طرقة بابك ينتقل ذهنك- لا شك- إلى أن شخصا على الباب يدعوك. و ليس ذلك إلا لأن هذه الطرقة كشفت عن وجود شخص يدعوك. و إن شئت قلت:
إنها (دلت) على وجوده.
إذا: طرقة الباب (دال)، و وجود الشخص الداعي (مدلول)، و هذه الصفة التي حصلت للطرقة (دلالة).
و هكذا، كل شيء إذا علمت بوجوده، ينتقل ذهنك منه إلى وجود شيء آخر نسميه (دالا)، و الشيء الآخر (مدلولا)، و هذه الصفة التي حصلت له (دلالة).
فيتضح من ذلك: أن الدلالة هي: «كون الشيء بحالة إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى وجود شيء آخر».
أقسام الدلالة: لا شك إن انتقال الذهن من شيء إلى شيء لا يكون بلا سبب. و ليس السبب إلا رسوخ العلاقة بين الشيئين في الذهن. و هذه العلاقة الذهنية أيضا لها سبب. و سببها العلم بالملازمة بين الشيئين خارج الذهن. و لاختلاف هذه الملازمة- من كونها ذاتية أو طبعية أو بوضع واضع و جعل جاعل- قسموا الدلالة إلى أقسام ثلاثة: عقلية و طبعية و وضعية.
١- الدلالة العقلية: و هي فيما إذا كان بين الدال و المدلول ملازمة ذاتية في وجودهما الخارجي، كالأثر و المؤثر. فإذا علم الإنسان- مثلا- أن ضوء الصباح أثر لطلوع قرص الشمس، و رأى الضوء على الجدار ينتقل ذهنه إلى طلوع الشمس قطعا، فيكون ضوء الصبح دالا على الشمس دلالة عقلية. و مثله إذا سمعنا صوت متكلم من وراء جدار فعلمنا بوجود متكلم ما.
٢- الدلالة الطبعية: و هي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبعية، أعني: التي يقتضيها طبع الإنسان، و قد يتخلف و يختلف باختلاف طباع الناس، لا كالأثر بالنسبة إلى المؤثر الذي لا يتخلف و لا يختلف.
و أمثلة ذلك كثيرة، فمنها: اقتضاء طبع الإنسان أن يقول: (أخ) عند الإحساس بالألم، و (آه) عند التوجع، و (أف) عند التأسف و التضجر. و منها: اقتضاء طبع البعض أن يفرقع أصابعه أو يتمطى عند الضجر و السأم، أو العبث بما يحمل من أشياء أو بلحيته أو بأنفه، أو يضع إصبعه بين أعلى أذنه و حاجبه عند التفكير، أو يتثاءب عند النعاس ... فإذا علم الإنسان بهذه الملازمات فإنه ينتقل ذهنه من أحد المتلازمين إلى الآخر، فعند ما يسمع بكلمة (أخ) ينتقل ذهنه إلى أن متكلمها يحس بالألم، و إذا رأى