المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٦ - الصحيح و الأعم (١)
عن إرادة المعنى الحقيقي اللغوي، فهل نحمل اللفظة على إرادة خصوص الصحيح تام الأركان و الأفعال، أو على الأعم منه و من الفاسدة، فالقائلون بالصحيح يحملونها على إرادة الصحيح، و يدعون أنه هو المجاز الأول و هو لا يحتاج إلا إلى قرينة صارفة.
و القائلون بالأعم يحملونها على إرادة الأعم، و يدعون أنه هو المجاز الأول، و الحمل على المجاز الثاني يحتاج إلى قرينة ثانية معينة لإرادته.
جواب صاحب الكفاية على الشّيخ الأنصاري (قدس سره): كل ما تقدم يصح بعد إثبات أن استعمالات الشارع لألفاظ العبادات مبنية على هذه الطريقة «سبك المجاز بالمجاز»، و بعد إثبات السيرة على أنه مع استعمال ألفاظ العبادات بقرينة واحدة يريد المعنى الأول، و بقرينتين يريد المجاز الثاني، و لم يثبت سيرة من هذا القبيل.
توضيح رأي أبي بكر الباقلاني: يقول: إن جميع استعمالات الشارع لألفاظ العبادات كان استعمالا حقيقيا في المعنى اللغوي، و لم يستعملها الشارع في المعاني الشرعية على نحو المجاز و إن كان يريد المعنى الشرعي حين الاستعمال، بأن نقول: إن الشارع لم يستعمل لفظة «الصلاة» مثلا إلا في «الدعاء»: المعنى اللغوي، حتى في حالة إرادته المعنى الشرعي: «الأركان المخصوصة»؛ و ذلك بأن ينصب قرينة لفظية على أنه يريد المعنى الشرعي من قبيل تعدد الدال و المدلول كما في قولنا: «رأيت البحر جالسا يتحدث»، فإني لم استعمل البحر في المعنى المجازي بل استعملتها في معناها الحقيقي «و هو مجمع الماء الكثير المتعارف»، و لكن أردت من البحر «هنا» العالم على نحو تعدد الدال و المدلول بتوسط قرينة «جالسا يتحدث». كذلك مسألتنا.
النزاع في الصحيح و الأعم بناء على مسلك الباقلاني في الألفاظ: اختلف الشّيخ الأنصاري مع المصنّف في أنه هل يمكن تصوير النزاع بين الصحيح و المجاز بناء على مسلك الباقلاني.
قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): لا يمكن تصوير النزاع، لأنه بناء على مسلك الباقلاني لا معنى لوقوع النزاع. لأن الباقلاني ينفي أصل الوضع للمعاني الشرعية، فلا معنى للنقاش هل وضع الشارع الألفاظ لخصوص الصحيح أو للأعم، فهو سالب بانتفاء الموضوع.
رأي صاحب الكفاية: يمكن تصوير النزاع في الصحيح و الأعم- حتى بناء على مسلك الباقلاني- و ذلك بأن ننقل النزاع من الوضع إلى القرائن المنصوبة على إرادة المعاني الشرعية، فنقول: كيف نصبت القرائن؟ هل نصبت القرائن لإرادة المعنى الشرعي خصوص الصحيح منه، أو أنها نصبت لإرادة الأعم منه و من الفاسد، فاتضح: إمكان وقوع النزاع بناء على مسلك الباقلاني.
- الأمر الثاني: و في توضيح معنى الصحة في قولنا: الألفاظ موضوعة للصحيح أو للأعم.
اختلف الفقهاء مع المتكلمين في تفسير الصحة، فقال الفقهاء: إن معنى أن «الصلاة» صحيحة أي: لا تحتاج إلى قضاء أو إعادة. و قال المتكلمون: إن معنى الصحة هو موافقة العمل للأمر أو الشريعة، فمعنى: أن «الصلاة» صحيحة أي: موافقة للأمر أو الشريعة.
فاتضح: أن الظاهر أن معنى الصحة واحد لدى الجميع، و هو التمامية، فمعنى أن «الصلاة» صحيحة أي: تامة الأجزاء و الشرائط، و هذا التعريف للصحة متفق عليه لدى الجميع و اختلاف الفقهاء مع