المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٠ - ٤- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح
لعقله أو وهمه أو حسه، مثل: حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح، و أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه».
و هكذا وافقه شارحها العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي.
(الثّالث): و من أسباب الحكم بالحسن و القبح: (الخلق الإنساني) الموجود في كل إنسان على اختلافهم في أنواعه، نحو: خلق الكرم و الشجاعة. فإن وجود هذا الخلق يكون سببا لإدراك إن أفعال الكرم- مثلا- مما ينبغي فعلها فيمدح فاعلها، و أفعال البخل مما ينبغي تركها فيذم فاعلها.
و هذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامة، و لا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل بدافع الخلق الموجود.
و إذا كان هذا الخلق عاما بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن و القبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم. و لكن إنما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك (١) إلى المدح و الذم.
و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن (الخلقيات) (٢) في المنطق (ج ٣
(١) أي: فيدعو العقل إلى ...
(٢) و تسمى الآراء المحمودة أيضا و يذكر في المنطق للشّيخ محمد رضا المظفر تعريف الخلقيات بحسب تعريف المنطقيين و هي: ما تطابق عليها آراء العقلاء من أجل قضاء الخلق الإنساني بذلك، كالحكم بوجوب المحافظة على الحرم أو الوطن، و كالحكم بحسن الشجاعة و الكرم و قبح الجبن و البخل. و الخلق ملكة في النفس تحصل من تكرر الأفعال الصادرة من المرء على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة، كالكرم فإنه لا يكون خلقا للإنسان إلا بعد أن يتكرر منه فعل العطاء بغير بدل حتى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلف. ثم عقب الشّيخ محمّد رضا المظفر قائلا: هكذا عرفوا الخلقيات و الخلق.
فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى؛ باعتباره داعيا للعقل العملي إلى إدراك أن هذا مما ينبغي فعله أو مما ينبغي تركه. و لكنا- إذا وقفنا- نجد إن الأخلاق الفاضلة غير عامة عند الجمهور، بل القليل منهم من يتحلى بها، مع إنه لا ينكر أن الخلقيات مشهورة يحكم بها حتى من لم يرزق الخلق الفاضل، فإن الجبان يرى حسن الشجاعة و يمدح صاحبها و يتمناها لنفسه إذا رجع إلى نفسه و أصغى إليها، و لكنه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة، و كذلك البخيل و المتكبر و الكاذب، و لو كان الخلق بذلك المعنى هو السبب للحكم فيها لحكم الجبان بحسن الجبن و قبح الشجاعة و البخيل بقبح الكرم و حسن الإمساك، و الكذاب بقبح الصدق و حسن الكذب ... و هكذا.
و الصحيح على حد تعبير الشّيخ المظفر أن يقال: أن الله تعالى خلق في قلب الإنسان حسا و جعله حجة عليه يدرك به محاسن الأفعال و قبائحها، و ذلك الحسّ هو (الضمير) بمصطلح علم الأخلاق