المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٣ - ٣- دلالة لفظ الأمر على الوجوب (١)
و حيث أن الوجوب هو إرادة خالصة فيكون هو المدلول للأمر. هذه حصيلة البيان الأول.
و يرده: ما ذكره جماعة: من أن مقدمات الحكمة مقدمات عرفية، و العرف لا يطبقها في المجالات التي تستدعي افتراضات دقيقة غير عرفية- كما هو الحال في هذا البيان- فإنه يشتمل على افتراضات غير عرفية مثل ما ذكر في النقطة الثانية: من أن شدة الإرادة بخلاف ضعف الإرادة فإنه عدم إرادة، فيكون ما به الامتياز عين ما به الاشتراك في الإرادة الشديدة دون الإرادة الضعيفة.
البيان الثاني: و هو مركب من مقدمتين:
١- إن حقيقة الوجوب عبارة عن طلب الفعل و لكن ليس هو فقط؛ إذ طلب الفعل ثابت في المستحبات أيضا فلا بدّ من فرض ضميمة، و في الضميمة احتمالان:
أ- أن تكون عبارة عن النهي بمعنى: أن الوجوب عبارة عن طلب الفعل مع إضافة قيد آخر و هو النهي، فهو- الوجوب- طلب الفعل مع النهي عن الترك.
و هذا الاحتمال باطل فإن النهي كما هو ثابت في الوجوب ثابت في الكراهة أيضا، فإن الكراهة تشتمل على النهي أيضا، و مع ثبوته في الكراهة يكون النهي جنسا شاملا للوجوب و الكراهة، و إذا كان جنسا فلا يمكن أن يكون هو الضميمة المنضمة إلى طلب الفعل؛ و إلا يلزم تركب حقيقة الوجوب من جنسين هما طلب الفعل و النهي، و واضح إن: حقيقة الشيء لا تتركب من جنسين بل من جنس و فصل.
و لعل قائلا يقول: إن الضميمة لو جعلناها عبارة عن أصل النهي فالبيان المذكور تام؛ لأن النهي جنس صادق على الوجوب و الكراهة معا، و حقيقة الشيء لا تتركب من جنسين، و لكن لم لا نفرض الضميمة هي النهي عن الترك، فإن النهي المضاف إلى الترك يختص بالوجوب و لا يشمل الكراهة.
و الجواب: إن أصل النهي لو كان جنسا فبإضافته إلى الترك لا يصير فصلا بل يصير جنسا مقيدا، و من الواضح: إن حقيقة الشيء لا تتركب من جنس و جنس مقيد بل من جنس و فصل.
و هذا تطويل لا داعي له، فبالإمكان أن يقال: إن النهي عن الترك ليس هو الضميمة لأنه ثابت في المستحبات أيضا، و هذا واضح و أخصر و أمتن.
ب- أن تكون الضميمة عبارة عن عدم الترخيص في الترك، فالوجوب عبارة عن طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك، بخلاف الاستحباب فإنه طلب الفعل مع الترخيص في الترك. و هذا الاحتمال هو الصحيح.
إذا: الوجوب مركب من جزءين أحدهما: وجودي و هو طلب الفعل، و ثانيهما: عدمي و هو عدم الترخيص في الترك، بينما الاستحباب مركب من جزءين كلاهما وجودي.
٢- و بعد هذا نسأل: أيهما يحتاج إلى بيان أكثر، هل الوجوب يحتاج إلى بيان أكثر أو الاستحباب؟
الصحيح: أن الاستحباب يحتاج إلى بيان أكبر إذ هو مركب من جزءين كلاهما وجودي، و كل أمر وجودي يحتاج إلى بيان يدل عليه، فالاستحباب إذا: يحتاج إلى بيانين: بيان للجزء المشترك و هو طلب الفعل، و بيان للجزء الثاني و هو الترخيص في الترك، و هذا بخلاف الوجوب فإنه يحتاج إلى بيان واحد يبين الجزء المشترك و لا يحتاج إلى بيان آخر للجزء الثاني، فإن الجزء الثاني- و هو عدم الترخيص في