المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٥ - تمهيد
و على ما تقدم من بيان معنى التوصلي و التعبدي- المصطلح الأوّل- فإن علم حال واجب بأنه تعبدي أو توصلي فلا إشكال، و إن شك في ذلك فهل الأصل كونه تعبديا أو توصليا؟ فيه خلاف بين الأصوليين. و ينبغي لتوضيح ذلك و بيان المختار تقديم أمور:
المكلف لا يمكنه تحقيق قصد الامتثال في قلبه حقيقة إلا إذا فرض وجود الأمر أولا؛ و إلا فأي شيء يقصد امتثاله.
إذا: ما قيل في المقدمة الأولى من أن قصد الامتثال متأخر عن الأمر يراد به: أن قصد الامتثال بوجوده الخارجي متأخر عنه، بينما المراد في المقدمة الثانية حينما قيل أن قصد الامتثال لو كان مأخوذا في المتعلق يلزم تقدمه على الأمر هو لزوم تقدم قصد الامتثال بوجوده التصوري على الأمر، و لا يلزم تقدمه بوجوده الخارجي عليه إذ المتعلق للأمر و إن كان متقدما على الأمر إلا أنه متقدم عليه بوجوده التصوري.
و بعد هذا تكون النتيجة هي: أن قصد الامتثال متقدم بوجوده التصوري و متأخر بوجوده الخارجي، و هذا لا محذور فيه و إنما المحذور فيما لو كان بوجوده الخارجي متقدما و متأخرا.
ثم أن منشأ الاشتباه في اعتقاد لزوم الدور هو: عدم التمييز بين المتعلق و الموضوع، فتخيل أن المتعلق هو الموضوع، فحينما يقال: أن قصد الامتثال مأخوذ في متعلق الأمر يتخيل أن المقصود أخذ قصد الامتثال في الموضوع، و بناء عليه: يلزم أن يكون قصد الامتثال بوجوده الخارجي متقدما على الأمر و متأخرا عنه، إذ تحقق قصد الامتثال خارجا بما أنه متوقف على وجود الأمر فيكون متأخرا عنه، فلو كان مأخوذا في المتعلق الذي هو الموضوع- حسب تخيل صاحب هذا البرهان- يلزم تقدمه لأن الموضوع بوجوده الخارجي متقدم على الأمر الفعلي، و لكن بعد أن ميزنا بين المتعلق و الموضوع بالشكل المتقدم، و ميزنا بين الجعل و المجعول، و عرفنا إناطة الجعل بتصور كل من المتعلق و الموضوع بخلاف المجعول فإنه منوط بتحقق الموضوع خارجا، و بعد أن عرفنا كل هذا فلا محذور، إذ قصد الامتثال و إن كان متأخرا عن الأمر و لكنه متأخر عنه بوجوده الخارجي، فلو أخذ في متعلق الأمر يلزم تقدمه و لكن بوجوده التصوري- إذ الجعل يتوقف على تصور المتعلق أولا- لا بوجوده الخارجي حتى يلزم الدور إذ الذي يلزم تقدمه بوجوده الخارجي الموضوع لا المتعلق [١].
و بهذا يرتفع محذور صاحب الكفاية. و هناك براهين ثلاثة أيضا في تحقيق حال هذه الاستحالة ذكرها السيّد الصدر (قدس سره) في الحلقة الثالثة ج ١، ص ٣٦٠- ٣٦٣، فراجع.
ملاحظة: ما المراد من قصد القربة؟ كثير ما تمر عبارة قصد القربة في كلمات الأصوليين ما المراد منها؟
الجواب: هو عبارة عن قصد الأمر فقط كما ذهب إليه جمع.
[١] راجع الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ٢، ص ٣٣٦- ٣٣٧.