المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٣ - تمهيد
و هناك واجبات أخرى تسمى (التوصليات)، و هي التي تسقط أوامرها بمجرد وجودها و إن لم يقصد بها القربة، كإنقاذ الغريق و أداء الدين و دفن الميت و تطهير الثوب و البدن للصلاة، و نحو ذلك.
من وجود الأمر أولا حتى يمكن فرض قصد امتثاله، فإنه من دون وجود الأمر فأي شيء يقصد المكلف امتثاله؟ و إذا كان قصد الامتثال متأخرا عن الأمر و موقوفا عليه و في طوله نقول: لو كان قصد امتثال الأمر مأخوذا في متعلق الأمر- بحيث كان الأمر منصبا على الفعل المقيد بقصد الامتثال- لزم تقدم قصد الامتثال على وجود الأمر، لأن قصد الامتثال حينما يؤخذ في متعلق الأمر يصير معروضا و مركزا للأمر، و من الواضح: أن معروض الشيء متقدم عليه، فزيد إذا كان معروضا للقيام فلا بدّ من فرض تقدمه على القيام كي يعرض عليه.
و باختصار: إن قصد امتثال الأمر بما أنه يتوقف على وجود الأمر فهو متأخر عن الأمر، فلو كان مأخوذا في متعلق الأمر صار متقدما على الأمر، فيلزم صيرورة الامتثال متقدما على الأمر و متأخرا عنه و هو مستحيل.
جواب البرهان الأوّل: و الجواب يتوقف على استعراض مقدمة نذكر فيها ثلاثة مطالب:
١- يوجد مصطلحان أصوليان هما: «الموضوع و المتعلق»، و لأجل التعرف عليهما نذكر المثال التالي:
لو فرض أن المولى قال: يجب الحج على المستطيع كان الوجوب منصبا على شيئين هما الحج و المستطيع. و لو دققنا في الحج و الاستطاعة لوجدنا فارقا بينهما و هو: إن الاستطاعة لا يدعو الوجوب إلى تحصيلها و لا يطلب منا السعي نحو إيجادها بل يقول: متى حصلت صدفة و اتفاقا وجب الحج، و هذا بخلافه بالنسبة إلى الحج، فإن الوجوب يدعو إليه و يطلب إيجاده و لا يقول لو فرض صدفة تحقق الحج وجب، إذا اتضح هذا نقول: إن مثل الحج الذي يدعو إلى إيجاده يصطلح عليه بالمتعلق، بينما مثل الاستطاعة يصطلح عليها بالموضوع، فالمتعلق مصطلح يطلق على ما يدعو التكليف إلى إيجاده أو تركه، بينما الموضوع مصطلح يطلق على ما لا يدعو إليه التكليف بل يكون ثابتا على تقدير حصوله صدفة.
٢- إن للحكم مرحلتين: مرحلة الجعل و مرحلة المجعول، فإن كل حكم يمر بمرحلتين، فأولا: ينشئه المولى و يشرعه بمثل لسان وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... و ثانيا: فعليا و ذلك عند تحقق الاستطاعة- الموضوع- خارجا، فإنشاؤه و تشريعه يسمى بالجعل، و إذا صار الحكم فعليا بسبب فعلية موضوعه سمي بالمجعول.
٣- إذا أراد المولى تشريع حكم كوجوب الحج على المستطيع فلا يمكنه ذلك إلا إذا فرض وجود الحج و وجود الاستطاعة، فإن الوجوب عرض من الأعراض كالسواد و البياض و القيام، فكما أن هذه تحتاج إلى وجود محل مسبق لتطرأ عليه كذلك الحال في الوجوب، فإن المولى لا يمكنه تشريعه إلا إذا كان محله منذ البدء ثابتا، فإن ثبوت الوجوب بلا محل أمر مستحيل، و هذا مطلب واضح و لا يحتاج إلى زيادة بيان، و إنما الذي لا بدّ من الوقفة القصيرة عنده هو: إن الحج و الاستطاعة اللذين هما محل