المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٦ - ٣- العقل العملي و النظري
و من العجيب ما جاء في جامع السعادات ج ١، ص ٥٩ المطبوع بالنجف سنة ١٣٦٨ إذ يقول ردا على الشّيخ الرئيس (١) خرّيت (٢) هذه الصناعة: «إن مطلق الإدراك و الإرشاد إنما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير الناصح و العقل العملي بمنزلة المنفذ لإشاراته» (٣).
و هذا منه خروج عن الاصطلاح. و ما ندري ما يقصد من العقل العملي إذا كان الإرشاد و النصح للعقل النظري؟ و ليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدمنا، بل هو عقل واحد، و لكن الاختلاف في مدركاته و متعلقاته، و للتمييز بين الموارد يسمى تارة
فعله ثبتت بعد ذلك صفة القبح له، فصفة الحسن و القبح لا وجود لها في عالم الواقع قبل خلق العقلاء؛ بل ينسب إلى ابن سينا أنه كان يقول: إن حسن العقل و قبح الظلم حكمان من العقلاء يتولدان نتيجة آداب و عادات اجتماعية معينة؛ بحيث لو فرض أن الإنسان خلق وحيدا و لم يعش تلك العادات و الآداب لما أدرك بعقله حسن العدل و قبح الظلم.
و هناك رأي ثان يقول: إن صفة الحسن و القبح من الصفات الواقعية الثابتة في الواقع بقطع النظر عن العقلاء، فكما أن استحالة اجتماع النقيضين هي من القضايا الواقعية الثابتة في الواقع حتى قبل وجود العقلاء. كذلك حسن الصدق و قبح الكذب مثلا.
و الصحيح هو الرأي الثاني، و بناء عليه قد يقال: ما هو الفرق إذا بين الحكم النظري و الحكم العملي بعد عدّ صفة الحسن و القبح من الصفات الثابتة في عالم الواقع كصفة استحالة اجتماع النقيضين؟
و الجواب: إن صفة الحسن و القبح و إن كانت صفة واقعية إلا أنها ترتبط بجنبة العمل، بل أن جنبة العمل مستبطنة فيها، فحينما يقال: هذا حسن يعني فعله، و حينما يقال: هذا قبيح يعني فعله. و هذا بخلاف صفة استحالة اجتماع النقيضين فإنها لا تستبطن ذلك، و بناء على هذا: فالفارق بين الحكم العملي و الحكم النظري هو: أن الحكم العملي حكم متعلق بصفة واقعية يستبطن مفهومها جنبة العمل، بينما الحكم النظري حكم متعلق بصفة واقعية لا يستبطن مفهومها ذلك [١].
(١) حيث أن الشّيخ الرئيس يقول بنفس ما قاله المصنّف.
(٢) أي: ماهر.
(٣) أي: أن ما جاء في جامع السعادات حصر الإدراك فقط في العقل النظري، فيفهم من كلامه: أنّه يوجد في الحقيقة عندنا عقلان عقل نظري وظيفته الإدراك، و عقل عملي و وظيفته التنفيذ، و هذا منه غير صحيح، لأنّك قد عرفت: إنّه لا يوجد عندنا في الحقيقة إلا عقل واحد، و الاختلاف بينهما إنّما هو بحسب اختلاف مدركات هذا العقل الواحد، فإذا كان مدركه ممّا ينبغي أن يعلم كان عقلا نظريا، و إذا كان ممّا ينبغي أن يعمل به سمّي عقلا عمليا.
[١] راجع الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ٢، ص ٤٩٦- ٤٩٧.