المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٦٧ - ٣- (الفساد)
بدون قصد القربة كصلاة الحائض لتمرين الصبي فلا يتصف بالحرمة، لأن المحرم هو العبادة التي تقوم بقصد القربة، و بدون قصدها لا يكون العمل عبادة حتى تفسد بحرمتها الناشئة عن النهي.
و إن أتى بالعمل مع قصد القربة كان مشرّعا، إذ لا أمر به مع حرمته، فلا يقدر على نية القربة إلا بتشريع أمر ليقصد التقرب به، و حينئذ: يحرم العمل للتشريع، و مع هذه الحرمة التشريعية يمتنع اتصافه بالحرمة الذاتية لاجتماع المثلين المستحيل.
فالمتحصل: أن النهي عن العبادة لما لم يدل على الحرمة الذاتية، لامتناع اتصاف العبادة بها، فلم يدل على الفساد أيضا، فكيف يمكن الالتزام بدلالته على فساد العبادة كما التزموا بها» [١].
و الجواب على هذا الإشكال يكون بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: إن ما ذكره المستشكل من امتناع اتصاف العبادة بالحرمة الذاتية ممنوع نقول في الجواب عليه: لا مانع من اتصاف العبادة الشأنية بها، فإن صلاة الحائض عبادة شأنية، بمعنى: أنه لو أمر به الشارع كان أمر عباديا.
- و بعبارة أخرى نقول: إن النهي عن صلاة الحائض لا يكشف عن حرمتها الذاتية لأنها ليست بعبادة؛ لعدم وجود قصد القربة لوجود النهي عن صلاة الحائض، و قصد القربة فرع وجود الأمر فلا تستطيع قصد القربة إلا بنحو التشريع، و إذا قصدت التشريع ستكون الصلاة محرمة بالحرمة التشريعية لا بالحرمة الذاتية و إلا لزم اجتماع المثلين و الحرمتين كما تقدم. إذا: لا يمكن هنا قصد القربة حتى نقول بحرمتها الذاتية.
و محصل جواب هذا الشق من الإشكال ما يلي: تقدم الكلام في تفسير العبادة و قد فسرت بأحد أمرين، أحدهما: قال: العبادة هي ذلك العمل الذي لو أمر بها كان أمرها أمرا عباديا. هنا نقول:
«صلاة الحائض» التي في نظر المشكل ليست بعبادة نرد عليه بالتفسير المذكور أعلاه و نقول: إنها عبادة لصدق اللولائية بأن يصدق على هذه الصلاة لو أمر بها لكان أمره أمرا عباديا، و يعبر عنها بالعبادة الشأنية.
و على التفسير الثاني للعبادة؛ و هو ما كان في ذاته عبادة كالسجود لله تعالى: لا مانع من اتصافها بالحرمة الذاتية مع كونها عبادة فعلا لا شأنا كالقسم الأول، فإن السجود- الذي هو عبادة ذاتا و لا تنفك عنه العبادة كما هو مقتضى ذاتي كل شيء- يمكن أن يكون له مفسدة في حال توجب حرمته ذاتا، كالسجود للشمس و القمر و الصنم و نحوها، و عليه، فلا مانع من اتصاف العبادة الفعلية بالحرمة الذاتية على حد تعبير السيّد محمّد جعفر المورج.
الجواب الثاني: ردا على الإشكال القائل إنه لا يمكن قصد القربة إلا بنحو التشريع، و مع قصد التشريع تصبح الحرمة تشريعية لا ذاتية و إلا للزم اجتماع المثلين نقول ردا على هذا الكلام: لا يرد هذا الإشكال هنا لاختلاف الجهة بين الحرمة التشريعية و الذاتية، فإن متعلق الحرمة التشريعية هو القلب أي:
أن الحرمة التشريعية قائمة في القلب و النفس، فالعمل القلبي و هو قصد التشريع في القلب حرام
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٣، ص ٢٧٩.